هل أخطأ لورنس؟ (1)

هل أخطأ لورنس؟ (1)
حين تسأل إنجليزيًّا عن لورنس، فلن تسمع منه سوى أكمل عبارات التبجيل والثناء، فهو مقاتل إنجليزي خدم التاج البريطاني في بقعة من الأرض، لم يكن الكثيرون قادرين على تقديم خدمة للتاج البريطاني فيها، كما أن خدماته صاحبت فترة من الدهر عصيبة على بلاده، استطاع فيها الرجل أن يساهم في قلب الموازين لصالح دولته في هذا الإقليم المهم من العالم، وليس أدل على قدراته العظيمة من تحقيقه لأكبر إنجازات بريطانيا في الحرب العالمية الأولى، وهي تحطيم سكة الحديد، واحتلال الأردن، وسوريا، والإسهام الكبير في احتلال فلسطين، والعراق. هكذا سيقول المثقف الإنجليزي عن هذا الرجل، ولن يستطيع المنصف أيًّا كان توجهه أن يقول له كذبت. وحين نتذكر منجزاتنا التي دمّرت في تلك الرحلة المشؤومة من جدة حتى دمشق، فإن أكثر ما يؤسفنا أو ينبغي أن يكون أكثر ما نأسف عليه: أن لورنس كان هو البريطاني الوحيد بين الجيش الذي شارك في تدميرها، أمّا الباقون فهم من آبائنا وأعمامنا، نعم والألم يعتصرني آباؤنا وأعمامنا، فالقبائل التي يذكرها لورنس في كتابه هي قبائلنا، والرجال الذين يسمّيهم أعوانه لا يخفى علينا أسماؤهم ومكانتهم، فكما أن سكة الحديد امتدت بأموال المسلمين، فإن المسلمين هم مَن دمّرها، ولم يكن لورنس سوى واحد من بضعة آلاف كلهم أو جلّهم انتفع يومًا ما بهذه السكة، ومع ذلك دمروها وهم يعرفون ما هي، ولِمَ أنشئت، ومَن المستفيد حقًّا من تدميرها، فلماذا فعلوا ذلك؟ وهل يمكن أن يتكرر المشهد؟ هذان سؤالان خطيران ينبغي أن نفكر في جوابهما كلّما وردت على أذهاننا حكاية سكة حديد الحجاز. إنها حكاية لا تعني لي وقفًا إسلاميًّا ضاع وحسب، بل تعني ضياعًا فكريًّا وانهيارًا دينيًّا وأخلاقيًّا إسلاميًّا ينبغي أن يدرس تاريخيًّا واجتماعيًّا للتعرف على أسبابه وبواعثه لا لنحصيها في مؤلفاتنا لكن كي نقف في وجه تلك الأسباب حتى لا تتكون فينا مرة أخرى، وتعود حليمة إلى عادتها القديمة. على حد علمي لم أسمع عن دراسة عربية لتلك المعضلة الدينية والاجتماعية الخطيرة التي جعلت رجالاً من آبائنا ينساقون كال.... يقتلون إخوانهم، ويحطّمون منجزاتهم بأيديهم، ويصنعون من جثثهم جسورًا تمشي عليها قوافل الاحتلال لتقف في القدس حتّى يقول الجنرال اللنبي: الآن انتهت الحروب الصليبية، وتنتهي في دمشق حتى يقول الجنرال غوروا: ها قد عدنا يا صلاح الدين. عندما قرأت كتاب أعمدة الحكمة السبعة كان ألمي من أولئك الرجال الأشاوس السائرين لاحتلال دمشق باسم الأعداء ينسيني ألم تحطم الوقف الإسلامي بألغام لورنس، وكنت أقول: إنني أفهم أن يقهر المحتل أرضنا بجيوشه الجرارة، وأن يبدو ضعفنا أمام قوته، لكنني لا أفهم: أن يسير رجال من العرب الأصلاء الذين عرفهم التاريخ بالإباء والشمم وراء ضابط إنجليزي يخدم بهم مبادئه وأهدافه التي تتعارض كليًّا مع مبادئهم وأهدافهم، أليسوا هم مَن قال عنهم المثل: كل العرب ملوك تيجانهم العمائم، أي ملوك هؤلاء الذين يسيرون وراء صعلوك، وأي عمائم، وأي سراويل؟ إننا اليوم في حاجة ماسّة لدراسة جادة لأسباب الضعف المعنوي، والانهيار النفسي والتحطم الاجتماعي تلك الأسباب التي تجعل من الإنسان لآلة بيد عدوه يحركها كيف شاء. هل هو الظلم الاجتماعي الذي يحكى أنه كان سائدًا في المجتمعات الإسلامية إبان الحكم العثماني؟ وهذا ما سنتحدث عنه في الأسبوع المقبل.