«قِرى الضيوف».. عادات وتقاليد عربية في كرم الاستقبال

«قِرى الضيوف».. عادات وتقاليد عربية في كرم الاستقبال

القِرى كما هو معروف ما يُقدم للضيف من الطعام والتكريم، وعادة قِرى الضيف عادة أصيلة في أنحاء بلادنا الغالية.وفي المنطقة الجنوبية ومنذ زمان بعيد كانت الضيافة وكرمها مطلوبة لشح الموارد، وبُعد المسافات، وقلة المواصلات، وفي البادية والصحراء عندما يقل الزاد والماء يتجه المسافرون نحو مواطن تجمعات الناس سواء في المنازل ذات البناء أو بيوت الشعر، ويهتدون بما ينبعث منها من أنوار بسيطة، وينادون من بعيد دون الاقتراب من حمى البيت فيقولون:«يا عرب.. يا أهل البيت».. ويجيبهم صاحب البيت قائلاً: «أرحبوا.. حياكم الله.. أرحبوا عداد خطاكم.. أقلطوا».. ويفرش لهم الفراش، ويعد القهوة، وغالباً ما كان الرجل هو الذي يقدم القهوة بعد إعدادها، والقهوة هي مدار الكلام والكرم، ثم يأخذ صاحب المنزل أخبار القادمين «الضيوف».. ويسمع منهم الأخبار، ويعطيهم أخبار الجهة التي يسكن بها، ويستقر المجلس، ويكون الرجل صاحب المنزل قد ذبح ذبيحة، أو أكثر حسب طاقته وقدرته، ولا يزال يحدث إضيافه لأن الحديث من قِرى الضيف.وتدار القهوة حتى يقول الضيوف «أكرام» أي يكفي ما شربنا من القهوة، أما الشاي فلم يكن يقدم قديمًا وأن قدم كان يعد وجبة العشاء أو الغداء، ولا يكاد يذكر الشاهي إلا تاليًا وعندما يدعو الناس ضيوفهم يقولون لهم «تفضلوا فنجان قهوة».تقاليد الضيافةوكان بعد أن ينضج الطعام توضع المائدة وكامل الذبيحة أو الذبائح ومعها السكين أو السكاكين ليقطع الضيف هذه الذبيحة إلى أقسام منها لضيف المكان وأهل البيت المضيفين ويقول: «سمّوا» فيبدأ الضيف ومن معه أكل الطعام ولا يشاركهم صاحب المنزل المضيف بل يتنحى بعيدًا قليلاً هو ومن معه من المدعوين، وعندما ينتهي تناول الطعام يقف الضيف وينادي بأعلى صوته باسم صاحب المنزل حتى يسمع صوته قائلاً: «نعم»، فيقول له الضيف في أسلوب مسجوع:يا أهل الذبيحة ذبح الله عداكموعسى اللاش فـداكمفيرد عليه صاحب المنزل المضيف:هناكم ماجاكميا مرحبًا بلحاكمشنا الله من شناكملو كان منا يا عزباكمومعنى كلمة اللاش: أي البخيل والرديء من الناس، ومعنى عُزباكم: مضيفكم، أصحاب المنزل، وأحيانًا يقول الضيف بعد تناول الوجبة:يا أهل الذبيحة ذبح الله عداكمفيقول المضيف:عدونا وعدوكم مذبوحوعلى البيداء دمه سفوحهذا في وليمة الضيافة للضيف البعيد، ولإكرام الضيف هناك بعض الترحيب الذي يأتي بصيغة: (أرحب.. مرحبًا حساب السيل.. حياكم الله عداد ما مشيتم عليه.. مرحب يا أعز الضيوف.. ويا أعز من لفى)..هذه العبارات تقال للضيوف عند استقبالهم وقبل دخول المنزل وبعد أن يأخذ الضيوف أماكنهم في المجالس المعتاد فيها الجلوس.. يقول المضيف: يردد على مسامعهم العبارات (يا لله محييكم.. يا مرحبا بكم يا أعز الناس) حيث تكون مقرونة بمشاعر الود والانشراح النفسي ويباشر بصب القهوة وطبق من أجود أنواع التمر المعروف (الصفري) يتبعه بتقديم ما يلزم لهذا الضيف من واجب.. فإن كان وافدًا من قرب وامتنع الضيف عن الذبيحة، قدم له إحدى الأكلات الشعبية وهي:«المشغوث»: والذي يتكون من دقيق الذرة مطبوخًا في اللبن وبعد إفراغه في وعاء كبير يعرف باسم «الصّحفة» وهي مصنوعة من شجر الغرب ويصب عليه السّمن والعسل ثم يقلب بملعقة على طريقة الخلط وقد أخذ اسمه «المشغوث» من كيفية تقديمه وتهيئته للضيف.أو يقدم للضيف «العصيدة»: وهي من دقيق البر أو الشعير (السّويق)، أو «المعصوبة» وهذه تتكون من دقيق البر معها غالبًا التمر والسمن والعسل ويدعي الضيف عليها بهذه العبارات: «تفضلوا حياكم الله واعذرونا على التقصير.. حقكم أكبر من هذا ولكنا بخلنا في حقكم وقدركم أكبر».الملفى والتصالحومن ضمن العادات الاجتماعية القديمة ما كان يعرف بـ»الملفى»، وهو ما يقدمه المخطئ إلى من أخطأ عليه، وبما يحكم به حكم العرف القبلي، والملفى عبارة عن حقوق مالية أو ذبائح وتسمى «الملفى السمين والرجال الغانمين»، حيث تعطى الذبيحة إلى المخطئ عليه يجهزها ويأتـي الرجال ومعهم المخطئ ليطيب خاطر المخطئ عليه وتقديم الاعتذار وبعض القبائل تسميها «العزارة».. وبعد تناول الوجبة يكتفى بتقديم القهوة وتضييفه وتطييب الخواطر والانصراف، ومما يقوله الناس في تلك الولائم «كثّر الله خيركم»، فيقول أهل الوليمة: «خيرنا فداكم يا قل ماجاكم».. والناس قديمًا يضحكون ممن لا يعرف التكثير بالخير أو الرد على المكثرين بالخير، وكانت كلمة شكرًا لا تقبل في مثل هذه المناسبات، واليوم أصبح العكس هو الصحيح، فلا يحب الناس من يبالغ في الترحيب والتكثير وهكذا هي الأيام، ولكل زمان نخوة ورجال كما كانوا يقولون.