تبوك: غرّة على جبين التاريخ

ورد اسم تبوك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث الإمام مسلم (إنكم ستأتون غدًا عين تبوك) وقيل سميت بذلك لقوله صلى الله عليه وسلم للرجلين اللذين سبقاه إلى العين: ما زلتما تبوكونها منذ اليوم، قال ابن قتيبة: فبذلك سميت تبوك، والبوك كالحفر وذلك كما ورد في فتح الباري. وتبوك.. تاريخٌ موثق حيث غزوة العسرة أو غزوة تبوك آخر غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وقد ارتبطت هذه الغزوة المباركة بسورة التوبة حيث كشفت السورة المباركة في معظم آياتها عن المنافقين وسلوكياتهم على المسلمين، وأوضحت العلاقة بين المسلمين والمشركين، وتكررت آيات القتال والتحريض عليه، كما أبرزت الحديث عن المتثاقلين عن القتال، سواء من المسلمين أو المنافقين وأوضحت الجوانب العملية للإسلام كالصلاة والزكاة وكيفية صرفها، وسميت سورة التوبة بالسورة الفاضحة أو الكاشفة لأنها فضحت المنافقين حيث أنزل الله فيها وصفهم قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة، كما نزلت البشارة للمقاتلين في سبيل الله بأن لهم الجنة حيث قال تعالى (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) سورة التوبة 111، وقد خرج المسلمون من غزوة تبوك - التي وقعت في السنة التاسعة للهجرة- بكثير من الدروس والعبر، سواءً من الغزوة وأحداثها أو من الدروس العملية من سورة براءة، تلك السورة التي أرسل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ليقرأها على الناس في الحج، حيث لحق بأمير الحج أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقرأها على الحجاج، وقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس وجهته في غزوة تبوك بالذات وما كان يفعل ذلك في غزواته الأخرى وذلك لبُعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو ليتأهب الناس لذلك، حيث قال صلى الله عليه وسلم للجد بن قيس أحد بني سلمة (يا جَدَّ هل لك العام في جِلاد بني الأصفر؟) فقال يا رسول الله: أوتأذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجبًا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث ذكر صلى الله عليه وسلم بني الأصفر أي: الروم، وكان عدد من شهد هذه الغزوة مع رسول الله ثلاثين ألفًا من الناس وعشرة آلاف من الخيل، وهي أكبر قوة اجتمعت للمسلمين في هذه الغزوة، ومع أنه لم يحدث قتالٌ لكن نتائجها كانت أروع نصرٍ للنور المبين، حيث تبخرت كل فكرة في القضاء على الإسلام لدى أي قبيلة، منفردة أو مع قبائل مجتمعة داخل الجزيرة العربية، ومن نتائجها أن مصدر إشعاع النور المبين الذي وصل إلى تبوك قد اقترب من الروم وغير بعيد عن الفرس مما أشعر الروم والفرس بقوته المتزايدة، وتعتبر غزوة تبوك أول رسالة هددت عروش كسرى والروم من هذا المكان المبارك (تبوك) الذي مكث به الرسول صلى الله عليه وسلم عشرين يومًا فنصعت تبوك أرضًا وهواءً وجبالًا وتاريخًا، فتاريخها قوة وفعل وتطبيق عملي للمواجهة، لا مكان للنفاق، ولا للمتخاذلين، وتعتبر تبوك من المآثر النبوية حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسجد ما زال معروفًا بتبوك، كما صلّى في مسيره إليها وعودته منها في عدة مواقع وعرفت فيما بعد بمساجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنها اندثرت مثل مسجد بثنية مدران، ومسجد بذات الزِّراب (أم زرب) ومسجد بذات الخطمي ومسجدٌ بشق تارى، ومسجد بصدر حوضى، ومسجدٌ بالحجر ومسجد بالصعيد، ومسجدٌ بوادي القرى، ومسجدٌ بالرقعة، ومسجد بذي المروة، ومسجد بالفيفاء ومسجدٌ بذي خشب وهذه المساجد وغيرها قد رُصِدَتْ من قِبل دار الملك عبدالعزيز، وسيتم إخراجها ضمن أطلس السيرة، وهذا مهمٌ ولكن الأهم إعادة بنيانها وإبرازها على الواقع الميداني لتدلّ على الطريق النبوي إلى تبوك التي ستبقى دائمًا غرةً في جبين التاريخ.