الطّيّبُون في الصُفَّة.. ورحيل أستاذ الأجيال محمّد التّبر!!

** كانت المسافة بين الحيِّ الذي نشأتُ فيه، وبين بيوته المتجاورة والمتلاصقة في زقاق «السيّد أحمد» على مدخل قباء وبساتينه التي تُنبتُ أرضها كلَّ أطايب الطّعام، ثمّ جاء الزّمن، الذي دفعتنا الحياة المادية، وما يتعلّق بها، وما يترتّب على الانخراط فيها، دون أن نعي -للأسف- ما نعمل، أو نقدم عليه، دفعنا ذلك وسواه للتخلّص منها، حتّى النّخلة التي تجذّرت في أعماق الأرض المباركة من العصور السحيقة لم تسلم هي الأخرى من حمأة ذلك التغيير الجارف، وشبيه بذلك ما فعلناه بآثارنا حتى أضحينا جيلاً بلا ذاكرة، وأُمّة من غير شواهد أو معالم. ** لقد كانت المسافة بين حي «السّيح»، والحارة الرّابضة هي الأخرى في شرق البلدة الطيبة، طويلة بكلّ المقاييس آنذاك، ولأنّني لم أكن وجهًا مألوفًا عند قوم الحارة، وأعني حارة الأغوات، فاستوقني يومًا أحد الطيّبين ليسألني بكثير من الرقّة التي عُرف بها أهل الجوار في حديثهم عن اسمي، فلمّا رددتُ عليه، أجابني مُرحِّبًا، وعرفت فيما بعد تلك الدّار المطلّة على مثوى سيّد الخلق عليه صلاة الله وسلامه، أعني دار العم عابدين سندي -رحمه الله- لأخوَّةٍ جمعتني بأبنائه. وفي الزمن الصعب الذي تتباعد فيه الأرواح قبل الأبدان يبقى القليل ممّن يتذكّر، والكثير ممّن ينسى أو يتناسى، ولكنّها الحياة، ويفترض أن نعيشها بكلّ وجوهها، وبما صفي من منابعها، وما كدر. ** في الحارة عرفت «الزّين» وداره، وكان -رحمه الله- سمحًا في كلّ شيء، ويتّسع صدره حتّى لأولئك الذين لم يسلم يومًا من سهامهم الجارحة. ولعلّ بعضهم لم يعلم أنّه ودّع الدّنيا مطمئنًا في اللّيالي الأخيرة من شهر رمضان المبارك، وتلك بشائر الخاتمة الحسنة التي يُكرم الله فيها جيران بيته، ومثوى نبيه الخاتم صلّى الله عليه وسلّم، ومن ورائهم أمم وأقوام، وفضل الله يتّسع للكثير، ولِمَا يضيق عنه العدّ والحصر، وآفة الأعمال سوء الظنّ بالآخرين. ** وعرفت مبنى الرستمية، حيث «الطيّبون والأنقياء»، وكانوا على قلّة ما في أيديهم يجودون ويؤثرون ويتصدّقون في الحارة، كان يسكن أستاذ الأجيال «محمّد التّبر»، كان الرّجل الذي زهد في الحياة ومباهجها بعد فترة قضاها طالبًا جامعيًّا مبرّزًًا إن لم يكن عبقريًّا، يتنقل بين الحصوة والرّوضة وباب جبريل، وكان النّاس يأتمنونه على أبنائهم، يدرّسهم القرآن الذي كان يُعدُّ في ترتيله من الحفظة والمجوّدين، وعلى دراية بقراءاته المتواترة، وكان قادرًا أن يحلّ لنا ما أشكل علينا في علوم الرياضيات والآلة وعلوم اللّغة في وقت يسير، وبأسلوب سهل، ولأبوّته ورعايته فلقد كان الطلبة يسيرون خلفه بين فرش الحجر وأزقة الحارة المتشعّبة، ويطرقون بابه في أوقات الظّهيرة فيفتح لهم قلبه وعقله وحواسه ولا يضيق بأسئلتهم. وجيلنا يعلم، بل ويمكنني القول متيقنًا أن أستاذنا التّبر لم يكن يأخذ لزهده مقابلاً ماديًّا من طلاب حلقته التعليمية المتواضعة، التي عرفتها الأجيال في طيبة الطيبة لحقبة تنيف عن نصف قرن من الزّمن، بل كان يجود عليهم بعطائه، وتلك سجايا النّفس المؤمنة والمطمئنة، وكان بعض القوم يأتمنونه على صدقات أموالهم، فيسير محتسبًا في هجير الحرّ وزمهرير البرد؛ ليطرق أبواب قوم تعالت نفوسهم عن السّؤال، ولقد كانت طمأنينة نفسه، وتهذيب روحه وتساميها وصفائها هي الباعث وراء ما وهبه الله من خصال وشمائل قد يعدّها البعض من باب الأسطورة، ولكنّها الحقيقة بدون تزيّد، وبعيدًا عن كلّ مبالغة يراد من خلفها رسم صورة مثالية لشخصية كانت من دون أسرار أو حواجز، بل كانت في الواقع كتابًا مفتوحًا يقرأه كلّ من اقترب منه أو عرفه. ** رحل عن دنيانا أستاذنا التّبر، وتحتضنه التربة الطّاهرة في بقيع الغرقد، يرقد فيها -بإذن الله ومشيئته- مطمئنًا وراضيًا. ولعلّ بدعاء مريديه وقوم حفظ لهم كرامتهم وصانهم من ذلِّ السّؤال، وآخرين أفادوا من علمه، ونهلوا من نبع معرفته أن يكون ممّن يكرمهم الله في دار البقاء والخلود بما أكرم به عباده الصّالحين، ويخصّهم عزّ وجلّ برحمته وكريم عطائه، وجوار النّبيين والشّهداء، والصدّيقين، وحسن أولئك رفيقًا، وألحقنا بهم في خير أرض وأكرم جوار، وجعل ما تبقّى من العمر خيرًا من أوّله.