جــدة ... الشاطئ المأنوس
الحديث عن جدة ممتع، سواء عن تاريخها الموغل في الماضي القديم، أو مجدها العريق، أو حاضرها الزاهر، أو مستقبلها المشرق، أو حتى عن فضل جدة.. نعم لـ (جدة) فضل أليست رباط البيت العتيق؟ بل أليست بوابة المدينتين المقدستين، مكة المكرمة والمدينة المنورة؟ بل أليست الميناء الوحيد خلال حقبة من الزمن لاستقبال وتصدير ما يخص الحجاز بأكمله من اقتصاد؟ كما أصبحت جدة مرتبطة بأم القرى منذ القدم، فلا تذكر مكة المكرمة إلا وتذكر جدة غالبًا وخاصة في العصور الإسلامية بل إن بناء (الكعبة المشرفة) الذي أعيد قبل بعثة سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم تم استخدام بعض أخشاب سفينة استغني عنها في ثغر جدة كما تذكر ذلك بعض المصادر التاريخية، ولا أتحدث عن تاريخ جدة ولاعن حاراتها القديمة نسبيًا، سواء حارة (البحر) أو حارة (المظلوم) أوحارة (اليمانية) أو حارة (الشام) ولاعن حاراتها الحديثة نوعًا ما، مثل حارة (الكندرة) أو (البغدادية) أو (غليل) أو (السبيل) أو (الشرفية). ولا يركز الحديث على جامعاتها ومعاهدها أو المستوى العلمي والتربوي الذي وصلت إليه، كما لا يشمل الحديث الحركة الصناعية والتجارية التي حققتها (جدة) ولا عن أسواقها، قديمها وحديثها، ولا متاحفها التاريخية، ولا الكنوز التي تشملها تلك المتاحف، ولا رواشينها ولا بيوتاتها، كما لايشمل أبوابها الشهيرة، ولا أكتب عن الأصالة والحداثة - المعنى القريب- التي تميزت بها (جدة) عن غيرها من مدن مملكتنا الحديثة، وإنما يتحدث الكاتب في مقدمة جدة عن الشاطئ لورود بعض البحوث عن شاطئ جدة.. أو الشاطئ (المأنوس) كما وصف منذ القدم هذا الشاطئ (المأنوس) المتوهج بالرؤى والأحلام والأمنيات، حيث تجد الأنس والمتعة بجلوسك أو تجوالك في ذلك الشاطئ، كما تجد ما يثير النفس والمشاعر والأحاسيس، إنه شاطئ يعج بالحياة فهو امتداد للبحر الرائع الجمال.. البحر الأحمر.. ذي الشطآن المرجانية، ذات الألوان الزاهية التي يغلب عليها اللون الأحمر، كما أن هذا الشاطئ (الكورنيش) أضفى على جدة الروعة في كل وقت من أوقات ليلها ونهارها، ففي الصباح عندما تشرق شمسك يا (جدة)، تملأ أرجاءك دفئًا، وضحى عندما تسري الحياة تغمرك بالنور، وفي الأصيل عندما تغسل أمواج شاطئك الرمل الناعم وتتسابق تلك الأمواج مرحبة بزوارك صباح مساء، عند ذلك يشعر محبك بالابتهاج، لأنه مع موعد مع الجمال، واخضرار حدائقك المورقة، وتضوع أزهارها وامتزاجها بنسمات صباحك ومسائك الندية يثير ذلك الشجن، ويغذي المشاعر، ويفتح القلوب، إضافة إلى ما يبعثه الشاطئ (المأنوس) في النفس من ذكريات فإن جدة تعطي «الأنموذج الأمثل» حاليًا - من وجهة نظر الكاتب- للحركة التجارية والصناعية والعلمية التي وصلت إليها المملكة العربية السعودية، حيث إنها تمثل معطيات وإنجازات النهضة الحضارية لبلادنا وما بلغت (جدة) هذه المنزلة إلا بتضافر جهود الدولة والمؤسسات ورجال الأعمال، هذه الجهود المتناغمة سواء منها ما يتعلق بالمباني والأسواق والشوارع، أو ما يتعلق بالأشكال الجمالية والحدائق والنوافير، وفي مقدمتها «نافورة جدة» جعلت (جدة) لوحة فنية تعطي لزائرها مزيدًا من البهجة والرونق والجمال، فإذا ما وصلها يؤخر مغادرتها يومًا بعد آخر، وإذا ما غادرها يخطط لزيارتها مرة أخرى، ذلك لأنه أصبح متيمًا مغرمًا بها، وما أحلى الرجوع إليها، إنها الثغر ... أليس الثغر مجمع الحسن والجمال؟..!! ورد ذكر تاريخ جدة في كثير من كتب المؤرخين العرب الأولين، فقالوا إن «بني قضاعة» كانوا أول من سكنها عام (115 ق.م)، عندما انتقلوا إليها عقب انهيار سد مأرب في اليمن، واتخذ من شاطئ جدة ميناء لمكة المكرمة في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه حيث أمر بجعل جدة هي الميناء بدلًا من الشعيبة، وتذكر بعض المصادر أن جدة كانت ميناء قبل الشعيبة ثم تحول الميناء لسبب أو لظروف إلى الشعيبة ثم عاد إلى جدة في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ومن ذلك العهد وهي مدينة عامرة قد سكنتها منذ القدم أقوام كثيرة من الأعراق والأجناس، وأصبحت حاليًا من أكبر الموانئ على البحر الأحمر وكلمة (الشاطئ المأنوس) أطلقت عليها قبل خمسمائة عام في كتاب بنفس العنوان لكنه مفقود، فهي أحق بـ (المأنوس) من غيرها. أليس كذلك؟.