روايات السنة والعنصرية ضد السُّود

روايات السنة والعنصرية ضد السُّود

التطاول على السنة النبوية الشريفة أصبح تقليعةً جديدةً ، وباسم الدفاع عن الدين!! وباسم تعظيم القرآن الكريم!! ونسي أصحاب هذه التقليعة أن الدين الذي يزعمون الدفاع عنه هو الذي يأمرهم بالائتمار للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن القرآن الكريم نفسه الذي يدّعون الائتمارَ به هو الذي يأمرهم: بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم في آيات كثيرة جدًا، وبالاقتداء به صلى الله عليه وسلم، وبفهم القرآن من خلال سنته وسيرته عليه الصلاة والسلام. نسوا كل ذلك من أوامر الدين ومن آيات القرآن الكريم، وباسم الدين وباسم القرآن الكريم!! ولذلك كان كلامهم تقليعةً ونزقًا، وكان عبثا فكريًا باسم التفكّر أيضًا. ومرة قال لي قائل: اعذرني فيما سأقول! ففيما تصححونه (معشرَ علماء الدين) من السنة النبوية مشكلات لا أجد منها في القرآن الكريم شيئا، مما يجعلني لا أثق في تصحيحكم وعلمكم الذي تميزون به صحيح السنة من سقيمها. قلت له: مثل ماذا؟ فقال: مثل بعض النصوص العنصرية فيما تصححونه من الأحاديث، كالحديث الوارد في عذاب القبر: (وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه...)، أو ليس في هذا تأكيد على العنصرية ضد أصحاب البشرة السوداء؟! فقلت له: أولًا: هل نسيت أن هذا الحديث يجب أن يُفهم مع بقية النصوص والأحاديث التي تحارب العنصرية بكل قوة ووضوح، كقوله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد. ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر؛ إلا بالتقوى)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز و جل قد أذهب عنكم عُبيّة الجاهلية، وفخرها بالآباء: مؤمن تقي، وفاجر شقي. الناس بنو آدم، وآدم من تراب). ومعنى (عبية): أي نخوتها وتكبرها وافتخارها الباطل. ولما عيّر أبو ذر رضي الله عنه بلالا بسواد لونه قائلا له: (يا ابن السوداء)، اشتد غضب النبي صلى الله عليه وسلم عليه، حتى قال له: (إنك امرؤٌ فيك جاهلية). وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وهو أمير المؤمنين، وهو القرشي: في ذروة العرب، وفي ذروة الحكم والإمامة، يقول: (أبو بكر سيدُنا، وأعتق سيدَنا)، يقصد بلالا الحبشي الذي كان عبدًا مملوكا رضي الله عنه. هذا كله مما رواه الرواة، وصححه منهج المحدثين. ثانيا: الفهم الصحيح للنص ليس بالأمر الهين، ويحتاج علمًا واسعًا بأساليب العرب في التعبير: في حقيقتها ومجازها، وفي استعاراتها وكناياتها، وفي أعرافها اللغوية وأمثالها. ولو حاولنا أن نتفهم ذلك، لوجدنا أن العرب يعبرون بالسواد عن كل ما تنقبض منه النفس، أخذا من الظلام الذي تنقبض فيه النفس، موازنة بالنور والضياء. فهو مأخوذ من سواد الظلام ووحشته، لا من سواد لون البَشَرَةِ. وهذا الشعور شعور بشري يستوي فيه الناس كلهم، حتى أصحاب البشرة السوداء أنفسهم. فمن لا يستوحش بالظلام، ويأنس بالضياء؟. يقول المتوكل الليثي (وهو شاعر أموي): أرمي بهم وبنفسي مَهْمَهًا زَلِقًا وعُرْضَ مُطّرِدٍ أكنافُه سُودُ فيصف ظلمة الطريق بالسواد. ولذلك تصف العرب مجتمع النخيل والأشجار بالسواد، ومنه سُمي سواد العراق، لكثرة النخيل فيه. فهو وصفٌ مأخوذ من الظُّلمة التي يستوحش منها الناس كلهم، وليس من لون الآدميين. وبذلك صار العرب يقولون لمن أساء: سَوّد الله وجهك! ولا يقصدون بذلك السواد الحقيقي، وإنما يقصدون ظلمة العار والفضيحة، وهي ظلمة معنوية، ولو كان وجهه أبيضَ شديد البياض! فالمقصود بالحديث: أن الملائكة تأتيه بمنظر يستوحش منه، سود الوجوه، لارتباط السواد بالوحشة بسبب الظلام، لا بسبب البَشَرَةِ السوداء في بني آدم. ولذلك فقد جاء نحو هذا التعبير في القرآن الكريم أيضًا، لا كما يدعي هذا الذي أجيب عليه! ثالثا: ليس صحيحا أن السنة انفردت بهذا التعبير، كما يُزعم. بل هو تعبير قرآني، كما في قوله تعالى (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ). فها هو القرآن الكريم يعبر عن ظلمة وجوه الكفار الموحشة بالسواد، حتى لو كانوا بيضا مُهقًا. مما يدل على أن ما ظُن بأن السنة المروية قد انفردت به، لم يكن ظنًّا في محله. وما دام أن ما ظُن به السوء في مرويات السنة قد جاء مثله في كتاب الله، فقد دلَّ هذا الاتفاقُ على أن ذلك الظن ظنٌّ في غير محله، وأنه نشأ عن عَجلةٍ غير مقبولة وعن جُرأةٍ مذمومة. ومما يوضح أن ارتباط السواد بظلمة الليل ووحشته، لا ببَشَرةِ البشر ولونها، قوله تعالى عن أهل الفجور والكفر(كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، فوصف الله تعالى في هذه الآية وجوه الكفار بأنها كأنها أُغشيت من ظُلمة الليل ظُـلمةً بعد ظلمة، والكفار هم أنفسهم الذين وصف الله تعالى وجوههم بالسواد، في الآية الأخرى، مما يدل على أن المقصود بهذا الوصف: ما ارتبط به السوادُ في النفوس السوية بسواد الليل الموحش، لا بسواد بشرة الآدميين. وبذلك يتبين أن السنة بريئة من تلك التهمة، في مثالٍ جديدٍ من أمثلة الجرأة على السنة وعلومها، مع بُعد تام عن معرفة دقةِ علومها، وصعوبة الخوض في نقدها!.