متى ترتدي الدراما السعودية ثوب توثيق سيرة روّاد الفن السعودي؟!

كم من الفنانين والمبدعين ساهموا في نهضة الفن السعودي في حقبة الإزدهار، ولايزال فنهم نبعًا ينهل منه كل محب للأدب والفن والإبداع.. لانزال نقرأهم.. ونستمع لهم دومًا لنحلق إلى حياة أخرى نتنفس بها الواقع كما نود أن نعيشه.. نراهم كلما شعرنا بالفرح أو بالحزن وهو ما يعزينا قليلاً بعد إفتقادهم.. ولكن هناك سؤال يطرح نفسه: «متى سترتدي الدراما السعودية ثوب توثيق أحداث حياة رواد الفن السعودي».. سؤال يطرح نفسه بقوة.. فإنتاج مسلسل سعودي يسرد قصص من حياة رموز وروّاد الفن السعودي، لنقدمهم كعمالقة من عمالقة الفن العربي، ومن خلال رؤية درامية معاصرة، وبتقنية فنية مميزة، وبإمكانيات إنتاجية تليق بأسماء مبدعة.. وعلى غرار مسلسلات «العندليب الأسمر» عبدالحليم حافظ، و»كوكب الشرق» أم كلثوم، وأسمهان.. وفي رمضان الفارط مسلسل «أهل الهوى» الذي تناول السيرة الذاتية للشاعر الكبير بيرم التونسي.. لذا.. يجدر بأن يكون هناك أعمال تليق بروّادنا ومبدعينن بأعمال درامية من إنتاج هيئة الإذاعة والتلفزيون، فهم ثروة فنية ووطنية تستدعي الحرص على تكريس ذكراهم.. ولنعيد تكرار السؤال مرة أخرى بشكل أوضح: ما المانع من تقديم مسلسل بهذه الصبغة في ظل توفر كل الإمكانات المادية والبشرية.. «الأربعاء» استطلع أراء بعض مبدعينا حول ذلك، فكانت رؤاهم كالتالي.. نحن منغلقين على أنفسنا الشاعرة والأديبة الكبيرة ثريا قابل والتي ارتبطت أشعارها بحناجر العديد من روّاد ورموز الفن السعودي أمثال الراحلين طلال مداح وفوزي محسون، قالت: نحن مجتمع كلما أنفتح أنغلق أكثر، نحن منغلقين على أنفسنا حتى في الحديث، ليس هنا كحياة تخلو من الدراما فكيف وهي حياة صانعي الفن والإبداع السعودي، في الحقيقة نحن مجتمع لا يقدّر مبدعيه لا في الشعر ولا الأدب ولا في كل صنوف الإبداع الجميلة.. ولا نُقدِّرُ أهميّة هذا الحين عندما يحين، إلّا بعد رحيله. وتضيف السيدة ثريا: المشكلة بالدرجة الأولى في الهيئات والمؤسسات المعنية بذلك وعدم اهتمامهم بذكرى هؤلاء الرموز والمؤسسين للفن السعودي بمختلف صنوفه، وبالدرجة الثانية يوجد لدينا فقر في القدرات الكتابية، فنحن نفتقد في السعودية إلى الكتّاب الجيدين.. أين الكاتب الدرامي الذي سيكتب برؤية إبداعية ومعالجة فنية درامية، وهي السمة التي يتمتع بها الكاتب في كتابته لعمل درامي لا يخلو من التعمّق في الأحداث، ولابد للكاتب أن يكون دقيقًا وموضوعيًا وصادقًا في نقله للأحداث كما حدثت على أرض الواقع، دون إضافات أو تحريف، وتشير إلى أن اهتمامنا برموز الإبداع السعودي الراحلون يعكس رؤيتنا في تقديم حاضرنا للعالم وإسهاماتنا في ميدان الجمال ويجب علينا الإحتفاء بإرث المبدعين وسردها سرداً ذو طابع درامي مشوق لمختلف الأجيال لربط سلسلة التطور بين الماضي والحاضر لنسهم في صناعة المستقبل. يجب أن يُصحح كما كان للموسيقار الفنان جميل محمود رأيه حول هذا الموضوع، وكانت البداية بجملة شدّد على ذكرها، وقال أنه يود أن تطرح وجهة نظره بكل شفافية، وليعذرني الجميع على هذه العفوية: يقول الأستاذ جميل محمود: الفن يُعتبر ضمير المجتمع، والجهة المسؤولة عن هذا الفن هي وزارة الثقافة والإعلام، وعلى عاتقها تقع مسؤوليات كثيرة، فمثلا يجب أن يكون هناك لقاء مع كافة الفنانين على مختلف الأصعدة وفي كافة صنوف الإبداع، ولابد أن توضح لهم كافة السياسات المطلوب إنجازها عن طريق الدولة والشعب، علماً بأنهم إذا تكاتفوا جميعاً فسيحدث هناك «هارموني» أي تناغم وتفاهم، فبصراحة هناك تقصير واضح وغير مبرر من قبل وزارة الثقافة والإعلام، ومن جمعيات الثقافة والفنون التي لا تؤدي دورها بالشكل المطلوب، ولابد أن يكون هناك دائرة تدور حول المواطنين، ولن يحدث هذا التكاتف إلا بالحوار، فنحن أمة وسط، ولكن كيف لنا أن نحدد هذا المفهوم.. فهناك جحود متعمّد ونسيان وتناسي يجب أن يُصحح. ويضيف موسيقارنا جميل محمود قائلا: نحن لا ننكر النقلة النوعية المتطورة التي يشهدها الإعلام السعودي بقيادة معالي وزير الثقافة والإعلام الدكتور عبدالعزيز خوجة الذي يمتلك القدرات الإدارية والثقافية العالية والعقل الواعي والبصيرة الثاقبة، لكن مع الأسف هناك فجوة كبيرة ما بين جيل رواد الفن السعودي والجيل الحالي من الشباب، وما يؤلم أكثر هو أن القسم الأكبر من جيل اليوم يجهل كل من ساهموا في نهضة الفن السعودي.. ضاعت أسماؤهم لأن الإذاعات والشاشات لم تعبأ بهم، وبالفعل نطالب بمسلسل يُسلط الضوء على سيرة كل من خدموا الوطن من مؤسّسي الفن والإبداع في المملكة، وهذا أقل ما يتوجب علينا فعله.. ومن لم يخدم وطنه لم يولد. واختتم الموسيقار جميل محمود بالقول: ما يحز في النفس أن يأتي التكريم لعظماء مملكتنا الحبيبة في مجال الثقافة والفن من خارج الحدود أو أن يتم التكريم بعد الوفاة كما حصل لبعض المبدعين السعوديين، ولذلك فإن التعريف بالمؤسّسين مهم حتى لا يقال اننا جيل «دفّان». أمر مهم جداً من جهته تحدث الممثل الفنان هاني ناظر عن رأيه في هذا الموضوع، فقال: مرحلة التوثيق والتسجيل لحياة المشاهير والمبدعين والروّاد السعوديين من خلال البُعد السابع والأعمال الدرامية هو أمر مهم جداً بل للغاية، من أجل المحافظة على الموروث والتراث والإرث الثقافي والفني للشخصية، وما قدم من إنجاز للأجيال القادمة، وليبقى في مكتبة التسجيلات عملاً مؤرشفاً هاماً مجسّداً بشخصياته بأرواح المبدعين أنفسهم، فالرموز كثر، والروّاد لدينا هم عمالقة في سماء الفن العربي، وعلى سبيل المثال لا الحصر ففي الموسيقى والطرب: الفنانين الراحلين طلال مداح وفوزي محسون وعبدالله محمد وطارق عبدالحكيم ومحمود حلواني رحمهم الله يرحمهم الله وغيرهم، وعلى سبيل المسرح ورائده الأديب أحمد السباعي يرحمه الله، وعلى سبيل الدراما فهناك لطفي زيني يرحمه الله وحسن دردير ومحمد حمزة وفؤاد بخش شفاه الله وسعد خضر وعبدالعزيز الهزاع وغيرهم الكثير، وعلى سبيل الإعلام والإذاعة ماجد الشبل وغيره، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، فالفنون لدينا تزخر وهناك الفن التشكيلي والدكتور البرفيسور عبدالحليم رضوي يرحمه الله وغيره، والمنلوج حمدان شلبي وعباس أبو شنب رحمه الله.. وغيرهم أيضًا، فمن المهم أن نرى عملاً درامياً يستحق المتابعة بأن يعاصر الشخصية منذ بدايتها حتى نهوضها إلى سماء النجومية والتحليق في سماء الفن والإبداع، وليكن مسلسل مرحلي لحياتهم من الطفولة والمراهقة وإلى النضوج الإبداعي، فمن المهم التعريف بسيرة مؤسّس ومبدع ويكون ذلك تكريمًا له أمام الأجيال حتى لا يقال اننا جيل «دفّان» يدفن مبدعيه من الموتى وينساهم، واعتقد أن عملاً تسجيليًا لحياة المشاهير والروّاد من المبدعين السعوديين يحتاج إلى ورش عمل وإنتاج قوي وبتمويل مادي بشكل مشبع لتغطية احتياج العمل، كما يجب أن يكون هناك «ميلتي ميديا» من المصورين وطاقم إخراج محترف وطاقم مكياج ماكير محترف، للوصول إلى سمات الشخصية المبدعة المكرّمة من خلال الشخصية المبدعة المجسّدة له، ونحتاج إلى ديكور قوي، كما نحتاج إلى وقفة صريحة ومراجعة قوية من أدبائنا وكتّابنا وصحافيينا وإعلامينا لمراجعة السير الذاتية بحجم المؤسسين من الفنانين أو المبدعين الخلاقين والذين أثروا الأدب والشعر والإعلام والمسرح السعودي.. إنها نهضة حضارية مختلفة جريئة وجذابة وجديدة، بل نكون نحن حديثي العهد بها أمام الأشقاء في الدول العربية والخليجية والذين أنتهجوها للتسجيل والتوثيق وتكريم مبدعيهم، فنحن أمام فوهة بركان (أن نكون أو لا نكون)، فلا يوجد وقت للتفكير والدراسة فقط والنقاش، بل نحن نحتاج لميدان وساحة الأضواء الإبداعية وأن نرى شاشة التلفزيون السعودي والفضائيات السعودية والعربية تحمل موروث وتاريخ ومبدع وفنان سعودي عبر البث والأثير، موثقاً خطى كان لها كبير الأثر في الإثراء والجرأة في البدء، عندما كانت البنية التحتية تبحث عن فارس ومطرقة وسندان، وعمن يؤسّس وينقش في صخرها، وكانت الحياة مليئة بالفوضى والفقر والخوف والجوع، لكنهم نهضوا حاملين راية الإبداع، وهم كثر السعوديين الأوائل الذين أثروا العمل الإبداعي السعودي الفني الموسيقي والدرامي والمسرحي والقصصي والأدبي والشعري، وكان لهم سلم الريادة وحملوا راية الإبداع، وأن يكون لهم منا الأن شرف التوثيق والبث لتفاصل هذه الشخصيات وحياتهم وكيف نهضوا وأصبحوا أعلامًا، وأن عملوإبداعهم هم خرج من الظل إلى الضوء في زمن الفانوس والإتريك والسقا.