قرية الخضراء.. مزارع تشكو فلاحيها.. وآبار تنعي السقاة
تاريخ النشر: 18 يناير 2014 01:28 KSA
(الخضراء) إحدى القرى التابعة لمركز الحرجة بمنطقة عسير، وقد تسمت بهذا الاسم نظرًا لخضرة أراضيها التي اتسمت بها منذ القدم. والخضراء التي تؤكد تسميتها طبيعتها الزراعية، إلا أنها أصبحت اليوم لا تشبه مسماها بدقة، فبعد اعوام طويلة من الازدهار بمزارعها وآبارها المشهورة اصبحت أرضًا خاوية لا يوجد بها سوى غبار ماضي نفضته صفحات (المدينة) بعد جولة لها في هذه القرية فإلى هناك.
«المدينة» جالت في القرية، والتقت بعض سكان القرية، ممن لم يهجروها إلى صخب المدينة وضجيجها، فيقول حسين بن علي: كانت القرية بمثابة إحدى جنان عسير بسبب كثرة مزارعها وطغيان اللون الاخضر على أرجائها في كل مكان، إلا ان ذلك بات من الماضي والآن لا تجد سوى نفحات بسيطة من ماضٍ جميل تمحور في عدد قليل من المزارع التي لازال فيها القليل من خيوط التاريخ، حيث انك عندما تذهب الى هذه القرية القديمة فلا تجد فيها سوى منازل قد هجرت منذ اعوام طويلة جدًا وكل ذلك بسبب قلة المياه في آبارها وندرتها، وايضًا بحث الاهالي عن رزق آخر يساعدهم على عبور متطلبات الحياة الكثيرة، واضاف حسين: إن هذه القرية كانت تمتلك آبارًا كثيرة ومعروفة في المنطقة بوفرة الماء فيها، ولكن منها ما هجره أهلها بسبب هجرتهم للمدن ومنها ما اندثرت وانتهت مع الايام ونسيت. وأضاف بقوله: إن هذه القرية كانت تحمل طابعًا فريدًا من نوعه من خلال تنوع محاصيلها الزراعية والتي كان أهالي القرية يعتمدون اعتمادًا كليًا على ما تنتجه مزارعهم من خضروات وفواكه مختلفة، فقد اشتهرت هذه القرية بكثرة إنتاجها للرمان والبرشوم والتين والخوخ والبرقوق عوضًا عن المحاصيل الاخرى من الخضروات مثل الخس والخيار والطماطم والجرجير، إضافة الى الذرة والشعير والبر ولكن كل ذلك ذهب أدراج الرياح في الوقت الحالي، وأصبحت غير موجودة هنا، حيث إن القرية كانت السوق المركزي للقرى المجاورة لها، ولكن مع هجرة اهلها ونسيانهم لها اصبحت القرية شبه خالية مما اشتهرت به.
ويشير حسين إلى إحدى الآبار التي يطلق عليها اسم بئر العائرة، وهي إحدى الآبار المشهورة بوفرة مياهها وكبر حجمها وعذوبة مائها، حيث يقول: إن هذه البئر قديمة جدًا وكان يعتمد عليها الأهالي في ري بساتينهم، كما أنها ذات عذوبة في مذاقها ويشرب منها وأيضا كان المارة بها يأخذون قدر حاجتهم منها إن احتاجوا، ومع تطور الوقت أصبح هنالك مكائن تصنع لضخ الماء وإيصاله الى المنازل عبر مواسير خصصت لذلك، فهذه البئر وإلى وقت ليس بالبعيد كانت تضخ بخيراتها على 4 أو 5 منازل. وأضاف محمد بن سفر: إن الآبار في القرية هجرت تماما في إغلبها إلا عدد قليل منها بقي على حاله ويستفاد منه، وهناك آبار تنضح بالماء الى يومنا هذا ومن أبرزها بئر يسميها اهل القرية بئر الهدف، وحالها جيد الى حد ما، وبقيت كما هي تنضح بالماء ويستفاد منها في ري إحدى المزارع التي بقيت على غرار غيرها من المزارع التي هجرت من قبل اهلها، وأيضًا يسقى من هذه البئر عدد كبير من اهالي القرية والبهائم اثناء المرعى، ولا زال الحال جيدًا ولكن ليس مثل ما كانت عليها هذه القرية الخضراء قديمًا، فكنا نسمع من كبار السن أن هذه الارض كانت تتغنى بمزارعها التي تمتد على مسافات شاسعة على امتداد النظر، لكن ذلك بات مختفيًا الآن ويرجح أغلب أهالي القرية وراء ذلك شح الماء هنا وندرته أكثر أسباب هجرة أهلها لها، ويضيف بن سفر إلى أن القرية كانت تمتلك آبارا كثيرة، حيث إن اهالي القرية كانوا أحيانا يشتركون في بئر واحدة في بعض الاحيان وفي أوقات أخرى، وكانت هناك آبار لكل واحدة صاحبها ولا زالت موجودة الى الآن وحالها جيد، ومن بينها بئر الهدف وبئر بن راوية وبئر بن شروح وبئر العائر وهذه أشهرها في القرية ويضيف محمد الى أن أهالي القرية لم يستغنوا عن مياه الآبار الى وقتنا الحاضر بل بالعكس لا زالوا يستفيدون منها في ايصال مياه الابار الى منازلهم حيث إن مياه الخاصة بالتحلية لم تصل بعد إلينا، ويعتمد اهالي القرية على مياه الابار.
ويصف لنا محمد طريقة ايصال المياه إلى المنازل حيث يقول: إنه يتم ايصال المياه الى منازل اهل القرية عن طريق المكائن المخصصة لذلك وتوصيلها عبر مواسير تدفن تحت الارض على امتداد الطريق الى ان تصل الى المنزل المستهدف وهي طريقة قديمة عرفها اهل الخضراء قبل 30 عامًا من الآن، ولا زالت كما هي وذلك بسبب عدم توفر المياه المحلاة وعدم وصولها الينا، ويشير محمد إلى انه صحيح أن هناك آبار هجرت ولكن لازال منها الكثير يستفاد منه.
ويقول محمد: عندما كنا صغارًا كنا نرى الكبار من الرجال يذهبون لملء قِرَب الماء من البئر بمصاحبتهم لبعضهم البعض وتسمعهم ينشدون القصائد بلحن واحد فيما كان الماء يصب من القرب الى البئر مخرجًا بذلك صوتًا منعشًا لا أنساه إلى الآن، ولكن كل ذلك قد انتهى في وقتنا الحالي فلم يعد هذا موجودًا.
ويضيف: إن المياه ومواردها سابقا كانت بمثابة حدود بين القرى لا يتعدى أحد على الآخر مهما كان، فقد كانت الآبار غالية على كل قرية، وكانت تلاقي اهتمامًا كبيرًا من الأهالي من حراسة وتشديد على أن لا أحد يأخذ منها إلا بأذن منهم، لما كانت تحمله من قيمة آنذاك، لكن الآن ومع تقدم العصر لا نكاد نرى أحدًا يهتم بها ولا يسأل عنها وليست ذات اهمية مثلما كانت من قبل.
ويضيف خالد: إن الآبار قديمًا كانت موردًا يتجمع عنده الاهالي ليأخذوا منها حاجتهم، وايضًا ليلتقوا ببعضهم ويتناقلوا الأخبار، وكانت بمثابة مركزًا رئيسًا في القرية للقاء الاهالي عند الأفراح والأتراح، لكن كل ذلك قد اندثر كما اندثرت أهمية الآبار الآن.
ويقول خالد: إن السبب وراء بقاء بعض الآبار قيد العمل في القرية هي عدم وجود بديل لها كتوفر مياه التحلية أسوة بالمناطق الأخرى، فتجد جميع أهل القرية لازالوا يعيشون على مياه الآبار ويعتمدون عليها في أمور حياتهم ويهتمون بها، وهناك عدد قليل من الآبار التي اندثرت، ويعود سبب ذلك إلى أن اصحابها تركوا القرية وهاجروا الى مناطق أخرى، أو ذهبوا إلى المدن الكبيرة بحثًا عن الرزق وطلبًا للعيش.