المخبر السري..من النظارة والجريدة..إلى التلصص عبر الإنترنت

المخبر السري..من النظارة والجريدة..إلى التلصص عبر الإنترنت

يتحرك بخفة بين الناس، يرصد خطواتهم وأحاديثهم وتحركاتهم متخفيا خلف قبعة عريضة، ومعطف سميك، ونظارة سوداء قاتمة، وجريدة قديمة في أغلب الأحيان، تخفي عينين فاحصتين مليئتين بالأسرار.. ورغم أنه كان يحمل صفة «السري»، إلا أن المصريين تندروا به بعد أن عرفوا صفاته، فأصبح هذا «السري» يعرفه الجميع.هكذا كان المخبر بشكله التقليدي، إلا أن المخبر الحديث اختلف شكلا عن القديم، فأصبحنا لا نراه ولا نشعر به ولا نعلم كيف يقتحم حياتنا ولا كيف نتعامل معه.عرف العرب والمسلمون نظام الشرطة منذ أيام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فهو أول من اتخذ شخصًا يمارس عمل الشرطة ولم تكن ممنهجة أو منظمة؛ إلا أن أول ظهور للشرطة السرية أو ما عرف بالمخبر السري كان أيام عمر بن الخطاب، حيث كان يعس بالمدينة المنورة، يحرس الناسَ ويكشف أَهل الرِّيبَة.الزيني بركاتوقد تطوَّرت الشرطة وازداد تنظيمها في العصرين الأموي والعباسي، وكان المخبر هو الذي يقتقى أثر المجرمين والخارجين ليخبر عنهم وعرف في ذلك الوقت بالبصاص، وقد بلغ المخبر أو البصاص شأنا عظيما أيام المماليك والعثمانيين، حيث كان يدخل ضمن أعمال الحسبة، وكان «الزينى بركات بن موسى»، الذي كتب عنه الروائي جمال الغيطاني، سابقة عصره أيام السلطان قنصوه الغورى، وكانت له مدرسة كبيرة في البص أول مقوماتها وجود دفتر معلومات لكل مواطن، وكان يجمع المعلومة الواحدة أكثر من بصاص، كما قام بتجنيد الأطفال لكى يتجسسوا على آبائهم، وجعل أصحاب الحرف والمقاهى قاعدة الانطلاق لجمع المعلومات، واعتبر أن البصاص العظيم هو الذى يلغي عواطفه، فيتجسس على الجميع دون استثناء، فالأعداء مثل الأصدقاء.. ويذكر المؤرخون أن أحمد بن طولون واجه مكائد الدولة العباسية وأعوانها داخل مصر وخارجها من خلال «أصحاب الأخبار» أو المخبرين السريين الذين أحكم بهم قبضته على مقاليد الأمور.وتطورت مهنة البصاص أو البوليس السري أو المخبر كثيرا خاصة بعد الاحتلال البريطاني لمصر، حيث أصبح يعمل مع المخابرات المحتلة كجاسوس ومع الشرطة المدنية كمرشد، وذلك لكى يرصد أى تقلبات بالرأى العام أو انقلاب على النظام حتى أن الاحتلال البريطاني بمصر أنشأ جهازا مستقلا أسماه البوليس السري، مما جعل الاحتلال والحكام التابعين له يحكمون القبضة حول الشعب إلا أن الشعب المصري كان يرفض ذلك ويثور عليه كما حدث بثورتي 1919م، 1952م، وثار الشعب على الحاكم الظالم ولم يهتم بقمع أجهزته، ولم تتخلص مصر من البوليس السري ومخبريه مع توالى الحكام، الذين أدركوا أهمية ذلك المخبر كمصدر مهم في جمع المعلومات، حتى ثورة يناير 2011م، والتي كان من أهم أسبابها الحادث الشهير للشاب خالد سعيد، والذي قتل ضربا على يدي مخبرين من قسم الشرطة.المخبر التكنولوجيوعن الاختلاف والتطور، الذي شهدته وظيفة المخبر السري، من الشكل التقليدي، إلى «المخبر التكنولوجي» في العصر الحديث، يقول اللواء سعيد سلامة الخبير الأمني: إن المخبر السري لا يزال موجودا ولكن في شكل أكثر حداثة لمواكبة تطورات العصر والتكنولوجبا.موضحا أنه قد يوجد مخبر سري أخطر من النظامي والتقليدي، وهو المخبر إلكتروني الذي يتجسس على أدق تفاصيل حياتك من خلال جهاز الكمبيوتر، ولا نبالغ إذا قلنا إن من بين أخطر ما يمكن أن نواجهه ملفات التجسس التي تتسلل إلى جهاز الكمبيوتر دون علمنا وتمثل المخبر السري الحديث، وهي قادرة على اقتفاء الأثر وتتبع الخطوات بسهولة ويسر في الفضاء الإليكتروني المفتوح، وهؤلاء ينتهكون الخصوصية، وأحيانا تكون هذه الملفات مجرد أجهزة استطلاع لـ»الهاكرز»، أو قراصنة المعلومات، الذين يخططون لمهاجمة أجهزة الكمبيوتر والسيطرة عليه، وانتحال الشخصية عند اللزوم بدافع السرقة أو التجسس.التناول السينمائيوتناولت السينما المصرية دور المخبر السري عبر مختلف الأجيال، واستقر في المرحلة الكلاسيكية على الشكل التقليدي وكانت أغلب هذه الأدوار كوميدية، ومن أشهر من قاموا بدور المخبر السري إسماعيل يس، وعبدالسلام النابلسي، ورياض القصبجى، وظل بالشكل التقليدي بالسبعينات والثمانينات، وتطور شكل المخبر السينمائي وتحول من الكوميدي للواقعى، الذي قدمته السينما في شكله التقليدي، وأيضا في شكله الحديث عبر تناول أعمال الجاسوسية.