قعرة المنجحة.. حياة الحرمان وصنادق الزنك

قعرة المنجحة.. حياة الحرمان وصنادق الزنك

على طريق الساحل الغربي بمركز البرك التابع لمحائل عسير تستوقف العابر تلك القرية الصغيرة «قعرة المنجحة»، ليقف على البيوت القديمة والمتهالكة، وبعض صنادق الخشب والزنك، إلا أن سكانها التى لم تعرف بعد الابتسامة وجوههم، لم يفقدوا الأمل على الرغم من الصورة القاتمة لمعاناتهم بين الصفيح والزنك وأشعة الشمس التي نحلت أجسادهم، حيث يعملون بما يتاح لهم من عمل، فقط لسد رمق أبنائهم الصغار. محمد المنجحي كان يحلم بقطعة أرض يبني فوقها مسكنًا، ولكن طال انتظار الحلم فخرج ببضع أغنام له يرعى فيها ويقتات منها وأطفاله حتى اقترب من الستين ولم يحصد شيئًا يعينه على الشيخوخة والمتطلبات، ليستقر أخيرًا في صندقة صغيرة تزاحمه فيها أخته القريبة من عمره، وبصعوبة شديدة يدبر قوت يومه من بيع الأغنام بسيارته المتهالكة، فهي مثل جسده المتهالك تسير الرويدا ولا تخلو من التوقف والعطب لاستئناف مشوار المعاناة من جديد وسط أكوام النفايات والأكياس المتسخة التي يتخذها الأطفال لعبة يفرغون فوقها شحنتهم المكبوتة. 8 أولاد علي محمد المنجحي في صندقة أخرى لا تقيه حرارة الشمس ولا المطر، رأيت ثمانية من أسرة واحدة في رقبته يستيقظون كل فجر وقلوبهم ترتجف خوفًا من المجهول، فلا أحد يعولهم والأب عاجز وكل الأبناء صغار غير قادرين على العمل. وعلى مقربة منه يعيش يحيى علي العسيري مع أكثر من سبعة أطفال في صندقة أخرى في «المنجحة» يسكن فيها أكثر من 7 أشخاص في شبوك، وإلى جوارهم ترعى الأغنام. أنهم من أسرة واحدة، وأكبر الأبناء تغلب على ظروفه والتحق بوظيفة بمرتب 1500 ريال تعوضه وأسرته عن الحرمان، فاضطر إلى القبول بهذه الوظيفة لا لتكفيه متطلبات الحياة ولكنها تسد جانبًا من فوهتها المفتوحة دائمًا. معاناة كبيرة محمد العسيري هذه الأسرة اختزل المعاناة في كلمة واحدة عندما وصف حالهم بقوله «مأساة يا أخي»، دعمها قول أحدهم: «إننا لا نجد أحيانًا كسرة الخبز فكل ما يأتي عبر المحسنين تلتهمه هذه الأفواه الجائعة والبطون الخاوية». مثني المنجحي لم تكن حالة هذا الطاعن في السن أفضل ممن رأيناهم في قرية قعرة المنجحة، فهو عاجز عن العمل والكسب، ومطالب بالانفاق على ستة أفواه ودفع قيمة الصندقة السكنية التي اقترض مبلغها من أحد أصحابه ولم يخفف من معاناته إلا أن يطلب أحد المحسنين بالتبرع بتسديد دين صندقته. لسعات البرد ويقول مثني المنجحي: مع بداية الشتاء ولسعات البرد، تتضاءل فرص عثورهم على نفس كميات وأرقام إعانات الخير التي تأتيهم من الأفراد والجمعيات، حيث تقاسمهم المؤونة والمساعدات أسراب من المتسولين الذين دفعتهم الحاجة لسؤال الآخرين سواء بطرق أبواب المنازل أو الوقوف أمام منازلهم وهم من المجهولين. بائع القطران مثنى على طالع عمر المنجحي بائع للفحم والقطران.. منذ صغره كان يجمع الحطب ويشعل فيه النار فيتحول إلى جمر ثم يغطيه لمدة يومين بالتراب وعندما يجف يقوم بتعبئته في أكياس ويبيعه بمبلغ زهيد لا يتجاوز الكيس 25 ريالًا وجالون القطران بخمسة ريالات، سألته ما هو أكبر مبلغ جمعته من تجارة الفحم والقطران؟ ضحك وقال: ماذا أقول لك؟ واستطرد قائلًا: صدقني يا ولدي أنا فقط أسد أفواه أبنائي في «عشة» بسيطة لا تقينا حرارة الشمس ولا المطر.