«أبناؤنا مختطفون»..!!
هناك مساحةٌ (فارغةٌ) قد تكون غائبةً عن كثيرٍ من فئات المجتمع، وما بينها طرفا نقيض؛ وسطيَّة تحملها هذه الدَّولة المباركة منذ أن تأسَّست، بحكَّامِها وعلمائِها والغيورين عليها؛ يقابلهَا صورةٌ أخرى مليئةٌ بالتَّشدد والتَّنطع يحملُ رايتها بعض المنتمين إلينا: يأكلونَ معنا، ويشربونَ بيننا، ويتعلَّمون في جامعاتِنا، و(يعلِّمون أبناءَنا)، وتلك المساحة الفارغة سهلةٌ أن تُمْلأ بكلِّ شيءٍ. وعطفًا على ذلك؛ استطاعَ بعضُ حامليّ الفكر المنحرف ملءَ تلك المساحةِ بالفكرِ المتشدّد تارة، وزرعَ بذورِ التَّطرفِ والإرهابِ تاراتٍ أخرى. كما أنَّ تلك المساحةَ الفارغةَ قد استُغلت كثيرًا من قِبل بعض حاملي الفكر المنحرف، من خلال (تعبئة النَّاشئة) خاصَّةً في محاضن التَّربية والتَّعليم، وجرّهم إلى أتون الانحراف تحت مسمَّياتٍ متعدِّدةٍ، وأدبياتٍ حزبيَّةٍ سعيًا لجرِّ البلادِ والعبادِ إلى ما لا يُحْمد عقباه، وهو ما حدث في سنوات خلت؛ ولمَّا يزل الجرحُ غائرًا لم يستطبْ بعد؛ وأمامكم السَّاعة صوت الثَّكلى من أمهاتنا، وهنَّ ينسجنَ خيوطًا من (الوجع)، وقد (قُتِل أبناؤهن)، ومن الذّكرى والأمل في عودة مَن لا يُعرف مصيره، وهم بين أتونِ الصِّراعاتِ والمستنقعاتِ الآسنةِ الطَّافحةِ بالدَّمِ، وتصفيةِ الحساباتِ في بعضِ البلادِ المجاورةِ!! وتساوقًا مع كلِّ ذلك، لم يكنْ بالمقدورِ أن نلمحَ تلك (البلاغة الفاصلة) من لدن صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل وزير التَّربية والتَّعليم، دونَ تأمّل؛ وهو يتحسَّسُ ذلك الخللَ في جانبٍ مهمٍ في عمودِ هذا الوطن الكبير، وأعني به (التَّعليم)؛ بوصفه أحدَ أبرزِ مواطن التََّعبئةِ والتَّغذيةِ لكلِّ فكرٍ متشدِّدٍ، عندمَا قال: «تخلّينَا عن أبنائِنَا فخطفَهم الآخرُونَ». إنَّ تلك الفاصلةَ التي قال بها «الفيصل»، وهو المعروفُ برؤيتِهِ العميقةِ في مجالِ الفكرِ وتحسّس بواطنِ الخللِ وتعريتِهِ لم تأتِ من فراغٍ، أو مِن رمي القولِ على عواهنِهِ؛ ولكنَّها فاصلةٌ كُبرى؛ تحملُ بين حروفها رؤيةً تربويَّةً وفكريَّةً مع أنَّ عددَ كلماتِها تساوي بالتَّمامِ عددَ أصابعِ اليدِ الواحدةِ، دون زيادةٍ، ولا نقصان؛ ولكنَّها حال الاحتكامِ إلى العقلِ، وإعادة القراءةِ ستتبدَّى لنا أحداثٌ (مهولةٌ)، وتبرز كشريطٍ سينمائيٍّ تتخطّى حدودَ الفنِّ إلى حيث (رائحة الدَّم)، و(إزهاق الأرواح)، و(ترويع الآمنين)؛ ومَن ينسى ما مرَّت به الأمَّةُ السعوديةُ خلال السنواتِ الأخيرةِ، وهي تصارعُ الإرهابيينَ تارةً، والمتشدِّدينَ وأصحابَ الفكرِ المنحرفِ تاراتٍ متعددةً، حتّى أصبحَ لزامًا على الدولةِ، أن تحملَ في يديها: قلمًا ينضحُ بالفكرِ؛ تصحيحًا لمعوَّجِ هؤلاء المنحرفينَ، ورصاصةً تدافعُ بها عن أمنِ هذا البلدِ واستقرارِه وحمايةِ أهلهِ وساكنيه. فكرٌ مقابلُ فكرٍ، ورصاصةٌ تقابلُ رصاصةً؛ ولا محيدَ عن هذين المسلكين ما دام هناك (فكرٌ متشدِّدٌ) يروّج له المنحرفُونَ، وهناك (حزامٌ ناسفٌ) يلتحفُ به الإرهابيونَ..!! *** إنَّ بروزَ أيّ ظاهرةٍ ما على سطحِ الأحداثِ تستوجبُ من الباحثِ الغوصَ في الذّاكرةِ بحثًا عن مرادفٍ لها، أو بذرةٍ مطمورةٍ أعادت بعد كمونِ نموِّهَا وسطوعِهَا بالشَّكلِ الذي ظهرت به مجدَّدًا على مسرحِ الأحداثِ. وهذا النَّهجُ يبدُو ملزمًا؛ خاصَّةً عند تناولِ القضايا الفكريَّة والاجتماعيَّة؛ كون الفكرِ؛ فضلاً عن السُّلوكِ الاجتماعيِّ لأيِّ فئةٍ لا تعتريها من فراغٍ، ولا يتلبَّسها من خواءٍ، ولا تُستنبت من عدمٍ؛ ولكنَّها تنتقلُ بفعلِ معطياتٍ تساندُها، وتتفاعلُ معهَا وبهَا، كجيناتِ التَّوارث بين كلِّ الأجيالِ، والتَّعليم أوّلها. والنَّاظرُ بعينِ الفحصِ والتَّدقيقِ إلى ظاهرة التَّشددِ والفكرِ المنحرفِ خاصَّة في مجتمعنا المحليّ، وما يستندُ عليه مقترفُوه من مفاهيمَ مغلوطةٍ، وأدبيَّاتٍ متهافتةٍ تسقطُ -لا شكَّ- حينَ تُعرض على صحة الدَّليلِ، وإقامة البرهانِ، يلمسُ تشابهًا كبيرًا حدّ التَّلازمِ بين طرحهم، وما كان يعتقدُ به الخوارجُ في زمنهم الأوّل، إبّان خروجِ سيئِ الذِّكر، ذي الخويصرة، وما كانَ يعلنه المتطرِّفونَ والمغالُونَ السَّائرُونَ على نهجِهِ؛ من شططٍ مارقٍ، وفكرٍ فاسدٍ؛ لذا يبقَى من المهمِّ أن نستحضرَ في الأذهانِ ما كانَ يقومُ به أولئك الخوارجُ (مفهومًا، وممارسةً)، وذلكَ تقريبًا للصُّورةِ، واستحضارًا للمخبوءِ بين تأريخٍ سلف، وحاضرٍ مستوجبٍ للقراءةِ والتَّأمّل. إنَّ «التَّعليم» عمودُ الأممِ، وركنُها الأساسِ، وحضارةُ الشعوبِ، ومنبتُ تقدمِها، ولكنْ أنَّى له أنْ يكونَ كذلكَ وهناكَ مَن استباحَ لنفسهِ تمريرَ شططِهِ، وتبريرَ فسادِهِ، فاستباحه المتشدِّدونَ، فباتُوا يروِّجون لكلِّ ساقطةٍ سياسيَّةٍ، أو لاقطةٍ منحرفةٍ تحتَ ذرائعَ واهيةٍ، ومسمَّياتٍ هلاميَّةٍ، باسم الدِّينِ تارةً، والأخوة تارةً، حتَّى استنبتَ البعضُ في بلادنا دولتينِ، ووطنين، وانتماءَين؛ وهذا في حدِّ ذاتهِ بدعةٌ في السُّلوكِ والانتماءِ، وسوءةٌ آسنةٌ تجرُّ إلى انقسامِ المجتمعِ وخلخلةِ بنيتهِ، وهذا ما تحسَّسه (الفيصل) من سنواتٍ بعيدةٍ اختصرها في هذا الأسبوعِ في خمسِ كلماتٍ لا تزيدُ ولا تنقصُ..» «تخلَّينَا عن أبنائِنَا فخطفَهم الآخرُونَ». لقدْ تحدَّثَ علماؤنَا المعتبرُونَ عن مساوئِ التَّشددِ والتَّغريرِ بالنَّاشئةِ، وعدَّدوا مثالبَ هذا الاتِّجاه، وحذَّرُوا من مآلاتِ كلّ فكرٍ منحرفٍ؛ وأنَّى لمتشدِّدٍ أغوتهُ نفسُه إلى التَّهلكةِ أن يستفيقَ، وقد تلبَّستهُ غوايةُ الشَّيطانِ وتدثَّر بلباسِ الإسلامِ؛ والإسلامُ من كلِّ ذلك براءٌ إلى قيامِ السَّاعةِ؟! لقد استطاعَ البعضُ في زمنِ الرَّسولِ صلّى اللهُ عليه وسلّم، إسقاطَ بعضِ الأفكارِ المنحرفةِ من خلالِ فلتاتِ اللِّسانِ، فتحوَّل المخبوءُ في القلوبِ والعقولِ إلى قولٍ مسموعٍ، ثمَّ استحالَ إلى جرمٍ مشهودٍ. ولعلَّنا هنا نستحضرُ مثالاً شاخصًا يحملُ تلك الرؤيةَ قبلاً، في حديثينِ شريفينِ، تكشفُ تلك السوءةَ المبطنةَ، وتعرّي هاتيك الدَّواخلِ المستترةِ، التي يخبئها كلُّ صاحبِ فكرٍ متشدِّدٍ، وفي حضرةِ الرَّسولِ الكريمِ عليه الصَّلاة والسَّلام: «فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: بينما نحنُ عندَ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم وهُو يقسمُ قسمًا، أتاهُ ذو الخويصرةِ، وهُو رجلٌ من بني تميم، فقالَ: يا رسولَ اللهِ اعدلْ، فقالَ عليه الصلاةُ والسلامُ: (ويلكَ، ومَن يعدل إذَا لم أعدلْ، قد خبت وخسرت إنْ لمْ أكنْ أعدل). فقال عمر -رضي الله عنه-: «يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه؟»، فقالَ صلّى الله عليه وسلم: (دعه، فإنَّ له أصحابًا يحقرُ أحدُكم صلاتِه مع صلاتِهم، وصيامَه مع صيامِهم، يقرؤونَ القرآنَ لا يجاوزُ تراقيهِم، يمرقُونَ من الدِّينِ كمَا يمرقُ السهمُ من الرميةِ). وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: بعث عليّ -رضي الله عنه- إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم بذهبية، فقسمها بين الأربعة: الأقرع بن حابس الحنظلي، ثم المجاشعي، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي، ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يعُطي صناديدَ أهل نجدٍ ويدعنا، قال: «إنّما أتألفهم». فأقبلَ رجلٌ غائرُ العينين، مشرفَ الوجنتينِ، ناتئُ الجبينِ، كثُّ الّلحيةِِ محلوق، فقالَ: اتقِ اللهَ يا محمد، فقال: «مَن يطع اللهَ إذا عصيتُ؟ أيأمنني اللهُ على أهلِ الأرضِ فلا تأمنوننِي». فسألَ رجلٌ قتلَه -أحسبه خالد بن الوليد- فمنعه، فلمّا ولّى قال: «إنَّ من ضئضئ -أي كثرة النسل- هذا، أو: في عقبِ هذا قوم يقرؤونَ القرآنَ لا يجاوزُ حناجرَهم، يمرقونَ من الدِّينِ مروقَ السهمِ من الرميةِ، يقتلُونَ أهلَ الإسلامِ ويدعُونَ أهلَ الأوثانِ، لئن أنا أدركتهم لأقتلنّهم قتلَ عادٍ». *** إنَّ وجودَ التَّطرفِ والإرهابِ والتَّشددِ لدى مَن يحمل بذرتهُ، يمكنُ أن يظهرَ ويقوَى، أيّ أن يتحوَّلَ من وجودٍ بالقول إلى وجودٍ بالفعلِ بتأثر عواملَ كثيرةٍ، أولها ما يتلقاهُ الفردُ من ثقافةٍ في نشأته، و(تعلّمه)، ومحيطهِ، ومخالطتهِ، وقد ينعدمُ هذا الاستعدادُ أو يضمرُ أو يتوارَى تحت الظُّروفِ المغايرةِ لبقائهِ ونمائهِ كما يقولُ بذلكَ أحدُ الباحثين. ولعلّي هنا أشيرُ إلى ما سبقَ أن قالَ به الأمير خالد الفيصل منذ سنواتٍ، وهو يستشعرُ -كما هو الحال هذه الأيام- خطرَ مآلاتِ المنهجِ الخفيّ في تنامِي الفكرِ المتطرِّفِ والمتشدِّدِ، يقابله فكرٌ تخديريٌّ وقفَ عندَ تعميةِ الأبصارِ؛ وكلاهما وبالٌ وخطرٌ يتبدَّى في استتارتِهِ والتَّهاون في تعريتِهِ. إنَّ مَن يُنكر أنَّ هناكَ صوتًا يسرِي في الخفاءِ يروّج لكلِّ فكرٍ متشدّد من خلال المجالسِ الخاصَّةِ، والمحاضراتِ المغلقةِ، و(المحاضنِ التَّربويَّةِ)، والخطبِ المنبريَّةِ، فهو أحد رجلين، إمَّا أنَّه جاهلٌ بما يُحيطُ به، وإمّا فاسدٌ كارهٌ لهذَا الوطنِ، وكلاهما خطرٌ على أمنِ هذه البلادِ المباركةِ.