الجهل والفقر..أيهما أحق بالعلاج؟

! يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لا فقر أشد من الجهل، والواقع العالمي اليوم يؤكد أن أعلى نسب الاستثمار نجاحًا الاستثمار في الإنسان عقلًا وعلمًا وفكرًا، وهو استثمار بلاشك يحتاج طاقات مرتفعة من الدعم المادي والمعنوي، وحين يكون الاستثمار الإنساني وجهاً من أوجه الخير، فإن الجهود تتبارك والثمار تؤتي أكلها ولو بعد حين.. كثيرة أعمال الخير والبر التي تسخر الثروات في تحقيق أهداف إنسانية، وأعمال خيرية، تدعم الفقراء والمحتاجين مالًا وطعامًا، قليلة تلك التي تركز على نوعية الدعم، والوصول بالفقير إلى درجة الاكتفاء وسد عوزه وحاجته بتعليمه وتأهيله، لاسيما إذا وضع في الحسبان قول الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام:» القرآن غنىً لا فقر بعده ولا غنىً دونه» وقوله:» ولا مال أعود من العقل»، هي أحاديث تكرس للتأكيد على أن الغنى والاستغناء في العلم والعلم، وليس في مد اليد سخاء بالمال فقط، وحكيم الغرب يقول: علمني كيف أصطاد السمك خير من أن تعطيني سمكة كل يوم.. لايسمى فقيرًا من عدم المال والمادة، الفقير الحقيقي من عدم فرصة الحصول على مقعد تعليمي، وفرصة تأهيلية للعمل، وإن اجتمع النوعان في فقير، فلينتظر المجتمع آثارًا عظيمة السوء، ونتائج خطيرة المستوى. التعليم وجه من أوجه الخير وباب من أبواب البر، حين يشرع تغلق أبواب شر كثيرة، وهي فكرة تحتاج جهودًا متضافرة لدعم الأسر المحتاجة بالتنسيق ضمن منظمة ملتفة الأطراف، تدعم بالمال، وتؤهل للعمل، وتمنح التعليم مستحقيه، من الأميين، والأطفال ومن في حكمهم ممن خسروا فرصة التعليم، وهي فكرة تخدم من يعيشون على هامش المجتمع بلاهوية، وحاجة ماسة ملحة في ظل تزايد أبناء السعوديات من الأجانب، وأبناء المطلقات بلا هوية والمعلقات والقائمة تطول بهم.. خاصة وأن إثبات الهوية شرط متحتم حتى في دور تحفيظ القرآن الكريم، فمن يعيد حق التعليم للجميع؟ و يدعم مشاريع البر المفتوحة؟ و يعيد للأطفال عقولًا إن لم تستثمر في الخير جذبتها الجريمة وجماعات التغرير؟!! دهشة.. مد لها يدًا ممتلئة المال والغذاء، تسابق أهل الخير والعطاء، حمل طفل العاشرة الغنيمة الشهرية عن أمه، حين انشغلت الأخيرة بسرد فصول مأساة مختلفة لم يضعها ذلك المحسن في جدول ميزانيته الشهري، ولم يستقطعها من مرتبه، كتبت دموعها القصة قبل أن تغزلها رداء متهلهلًا من الألم، أبناء المعلقة الثلاثة أكبرهم في الثانية عشرة وأصغرهم ابن الثامنة لم يدخلوا مدرسة ولم يتعلموا حرفًا، وقفت تستجديه حرفًا قلمًا حبرًا يلون مستقبل صغارها بعد حرمان والدهم هوياتهم، وضياعها بين أروقة المحاكم، ضاع شبابها، وبين يدي الجهل يضيع مستقبل أطفال في عمر الزهور. يسعى المجتمع رافعًا راية (مجتمع بلا أمية) في فصول محو الأمية المشرعة لكبار السن، وتعليم اللغة العربية لمسلم آمن قلبه ولم يتعرب لسانه، جهود مشكورة لن تعجز عن تعليم أنامل صغيرة لينة مرنة إن لم تتعود مسك القلم في الصغر، غدًا تمسك سكينًا أومسدسًا، يناسب صلابة وقسوة الأيام التي عبرتها.. غراس الخير في مجتمعنا قادرة على الدعم، فالبر هواء نتنفسه، ممزوج بالدم والروح منذ الأزل.. الجهل فقر وأسر، والعلم حرية والحرف سلاحه، وفي سيرته عليه الصلاة والسلام في أعظم غزواته برهان بأن العلم مفتاح العقول، وحرية مكفولة، حين افتدى أسرى بدر ممن لايملكون المال، بتعليم أبناء المسلمين، مدركًا عليه السلام أن العلم فضاء الحرية الأعظم، وأن الجهل رق لا يتحرر بكل كنوز الأرض، قبل العلم عوضًا عن المال، وقبله من مشرك، استأمنه على عقول أبناء المسلمين وعقائدهم.. ومضة أخيرة.. يخلق المجتمع بالفقر أسباب الجريمة، ثم يعاقب المجني عليه.. دلال بندر المالكي - الرياض