أصواتٌ مُنْدسة..!!
كم مرَّة كتبتُ عن أولئك الذين ينْبسون بالكلمة في الخفاء، وفي الغُرف المغلقة، ثمَّ يعلون من صوتها علوًّا كبيرًا من خلال الفضاء وأدوات التَّواصل، ثمَّ يتبارى الأتباع هنا وهناك في التَّرويج لها، كأنَّها من فتوحات القول، ونياشين البيان، فتأخذ صوتها من صوت أتباعها والنَّفخ فيها، ثمَّ تتوارى عن الأسماع، فتبدو واهيةً منكسرة لا حِراك فيها، ولكنَّها تأخذ نافذتها المقسومة لها في العقول والنُّفوس، ثمَّ تدور الدَّورة مرَّة أخرى، بعد أن جيَّشت أعدادًا كبيرة وجرَّت وراءها مجموعات تترى وتتوالى، وصادرت عقولًا فارغة واهية، وغرَّرت بهم تغريرًا مُهلكًا أوصلهم إلى أتون الصِّراعات، ومواطن النّزاع، يتولَّى كِبر كلّ ذلك مجموعة ممّن ينتسبون إلى الإسلام والغيرة عليه؛ غيرة تستبطنها تلك اللّغة العاطفيَّة والمجيّشة، والالتفاف عليها متى ما حصحص الحقّ، وانبلج ضوؤه.ولكن.. وما بعد لكن تلك يحضر صوت النكران، وسلخ ثوب الغيرة تلك، بعد أن أخذت كلماتهم مساحتها من الغواية والتجيّيش هنا وهناك، وسحبت وراءها الكثير من الشَّبيبة فأردتهم قتلًا، وزرعت منهم قنابل موقوتة.لقد سبق أن قلت: إنَّ بين الفينة والآخر تتكشَّف أوراقٌ كانت من المخبوءِ والمستورِ؛ ولكن من نِعم الله علينا أنْ أصبحت أدوات التَّواصل الاجتماعي والانفتاح الإعلامي تطفح بكلِّ صغيرة وكبيرة حتَّى باتت تقتحم علينا أجلّ خصوصياتنا.فبالأَمْس القريب -مثلًا- خرج علينا مجموعة من الدُّعاة يتمثل فيهم تلك الأسطر قبلًا وهم يرْكَبون الخيول ويصَارعون الهواء، ويتنفسون أريج السِّياحة على ظهور الجبال الخضراء، في مقابل ما كنَّا نسمع منهم من دعواتٍ مبطنة لجر شباب هذا الوطن إلى مواطن الصِّراعات باسم الجهاد تارة، ونصرة المظلوم تارة، حتى أوصلوهم مباشرة أو على حين غرة إلى لغة الدَّم، والدَّم لا غير، فلم يسلم صوت الإنسانيَّة بمفهومها القائم على المعايشة والتَّعارف من كلّ تلك الأفكار المجيشة، دون الاكتراث أنَّ النَّاس شعوب وقبائل خُلقوا للتَّعارف، وتناسى ممّن تولَّى كِبره، أنَّ هناك حكمة للتَّعايش؛ وحكمة للتَّعارف: إنَّها حكمة تنمو مع أكبر الجماعات إلى أصغرها، وتزداد نموًا إلى جماعة النَّوع الإنساني في جملته، وإلى جماعة الأسرة، وإلى طبيعة الاجتماع في كلّ مخلوق إنساني منذ تكوينه في أصلاب آبائه وأجداده.إنَّ «شعوبًا»، و»قبائلَ»، و»تعارفوا» لا تعرف لها مسلكًا في ذلك الصَّوت الكبير الذي يتولى كِبره دعاة اندسّوا بين المساكين، وأسقطوا عليهم من أفانين القول ما يسقط أمام الفحص والنَّظر.وتناسوا أنَّ التَّعارف هو حكمة تستبطن في جوفها التَّعدد والتَّكاثر بين الشُّعوب والقبائل من أبناء آدم وحواء، مفضية كلّها فيما يتعلّم المسلم في كتابه الكريم أنَّها وشيجة من وشائج المودّة والرّحمة، وسبيل إلى التعارف والتقارب، وصدق العلي الحكيم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا»، فالمؤمنون إخوة، والنَّاس إخوان من ذكر وأنثى، وشرّ ما يخشاه النَّاس من رذائلهم أنَّها تُلقي بينهم العداوة والبغضاء.