الشَّبابُ بينَ خطابَينِ

الشَّبابُ بينَ خطابَينِ

إذا صحَّ ما قالَ به الدكتور علي الموسى بأنَّ عددَ أتباعِ 'داعش' ممّن يقاتلُون في صفّهم من الشَّبابِ السعوديّ بلغ عشرة آلاف، فإنَّ القراءةَ الأولى تعكسُ وضعًا خطيرًا وكبيرًا؛ بل وكارثيًّا!، كما أن تلك الأرقامَ تضمرُ -إنْ صحتْ- من جهةٍ ثانيةٍ أنَّ هناك خطابًا تحريضيًّا قويًّا، ومثالاً استطاعَ التَّغريرَ بهم وجرّهم إلى مواطنِ الصِّراعِ تحتَ أيِّ مسمَّى كان، في مقابلِ خطابٍ فقهيٍّ عاجزٍ، وغير قادرٍ على التَّفاعلِ مع ما يستجدُّ من أحداثٍ. وتلك الخطاباتُ يجبُ أن تُقرأ في سياقاتِها الرَّاهنةِ، فإذا كانت الأحداثُ السّياسيَّةُ تعدُّ هي الأبرز في وقدةِ بعض تلك الخطاباتِ من جهة المحرّضينَ، فإنَّ الذي لا أشكُّ فيهِ أنَّ هناك أزمةً في الخطابِ الدّيني تتَّسعُ الفجوةُ بينه وبين الواقعِ كلَّما تكاثرت الأحداثُ السياسيَّةُ وتلاحقتْ، فليسَ بالمقدورِ فصل الخطابِ الدِّيني عن أي حدثٍ سياسيٍّ، فهما متلازمانِ حدّ المصاهرةِ. إنَّ العجزَ الكبيرَ سواء أقرَّ به الفقهاءُ والعلماءُ فيما اصطلح عليه بفقهِ الواقعِ، يكشفُ مدى الهوّة الكبيرة بين الواقعِ من جهة، وذلك الفقهِ من جهةٍ أخرى، فالأحداثُ متسارعةٌ ومتلاحقةٌ؛ بل ومتلاقحةٌ، في المقابلِ بقي الخطابُ الدِّيني ممثَّلاً في ذلك الفقهِ قارًّا في مكانهِ لا يلامسهُ التَّغييرُ ولا يتفاعلُ مع الواقعِ، من أول ما قالَ أحدهم: 'أنتِ طالقٌ إنْ صعدتِ السلمَ، أو نزلتِ'!! فإذا كانَ الخطابُ المؤجّج المبني على قواميسِ العاطفةِ في المقام الأول استطاعَ أن يحرِّكَ في أولئكَ الشّبَابِ جذوةَ التَّفاعلِ والخروج إلى مواطنِ القتالِ وجرّهم إلى حيث الصِّراع وإزهاق الأرواحِ، فإنَّ معالجةَ ذلك السّلوك لن يكونَ بذاتِ اللغةِ، ولا ذات الخطابِ؛ لأنَّ هناك فرقًَا كبيرًا، وجوهريًّا بين تصحيح العقول والأفهامِ، وبينَ إعادتها إلى جادَّةِ الحقِّ والصِّراطِ المستقيمِ، وللأسفِ الشديد فإنَّ الخطابَ الذي يرتكنُ إليه العلماءُ هنا في كشفِ عورِ أولئكَ الخارجين كمحاولةٍ لإفهام النَّاسِ بخطلِ وسوءِ ما أقدموا عليه، يعتوره النَّقصُ، والنَّقصُ الشديدُ؛ لأنَّه يقوم على لغةٍ مكرورةٍ حشوها الإعادة، والمرتكز في أساسهِ على الوعظِ. ونسي هؤلاء العلماءُ -مع فضلهم- أنَّ كلَّ جريمةٍ إراديَّةٍ مسبوقةٍ بفكرةٍ في الدّماغِِ/ الفكر!! إنَّه: طَرْق لطيفٌ أو ضعيفٌ للمنطقةِ الأساس لتصديرِ العنف والإرهاب: منطقة الدِّماغِ؛ في حين أنَّه كان يجبُ أنْ تظفرَ هذه المنطقة بالاهتمامِ الأولِ، والأعظمِ، والأطولِ. أمّا لماذا؟! فالإجابةُ يحتويها أحدُ الباحثين بالقول:' إنَّ كلَّ جريمةٍ إراديَّةٍ على الأرضِ مسبوقةٌ -تفكيرًا زمنًا- بفكرةٍ شريرةٍ في الدّماغ: فالفكرُ الإرهابيُّ هو الجريمةُ في مرحلتهَا الذهنيَّةِ الجنينيَّةِ، أمَّا الفعلُ الإرهابيُّ فهو: الصورةُ الماديَّةُ -المشاهدة والملموسة- لهذا الفكرِ'. ومثال: إنَّ السيارةَ، أو البنايةَ المفخَّخةَ نتيجةٌ تلقائيةٌ للأدمغةِ المفخخةِ. ومن هنا فإنَّه مهما اتّسعت دائرةُ البحثِ عن أسباب العنفِ والإرهابِ -وهو بحثٌ لا بدّ أنْ يكونَ- فإنَّ سببَ الانحرافِ الفكريّ سيظلُ محتفظًا بمكانتهِ الأولى؛ لأنَّ الفعلَ البشريَّ يسبقُ بالضّرَورةِ بفكرة؛ سواء أكان الفعلُ فرديًّا أم جماعيًّا: عملاً جزئيًّا أم مكتملاً -بحسب الباحث- وهذه الفكرة، المترجمة للإدراكِ والإرادةِ والنيَّةِ والقصدِ، هي مناطُ المسؤوليَّةِ: تعينًا وتحملاً، ومناط الثوابِ والعقابِ. إنَّ المريضَ بهذا الفكر لا يُعالج فقط؛ كما يزعمُ الزاعمون بالوعظِ، ولا بالنصحِ والإرشادِ؛ بل بالاستنطاقِ الفكريّ, والتوجيهِ العقليّ لا العاطفيّ، وهذا ما غفلَ عنه بعضُ العلماءِ، والمباشرون للتَّصحيحِ. أمّا لماذا؟ فلأنَّ الوعظَ، وكذاك النُّصحَ والإرشادَ عواملُ عاطفيَّة سرعانَ ما تتبخرُ، إذ إنَّها في خاتمة المطافِ مجموعةٌ من الشُّحنِ التي تدغدغُ العواطفَ وتوقدها، ولا ترتقي إلى الجوانبِ الخفيَّةِ/ المظلمةِ في جوهرِ العقلِ. إن المصابَ بهذا المرض -كما يقولُ آخر- لا يعالجُ بالتركيزِ على الوعظِ والتَّخويفِ من عقابِ اللهِ، فهذا الأسلوبُ في الغالبِ لا يُجدِي معهم؛ لأنَّ أمثالَ هؤلاء يرونَ أنّهم على صوابٍ ودين. فكيفَ تعظُ إنسانًا يظنُّ أنَّه على الدّين الحقِ قبلَ أن يتبيّن خطأه الفكريّ فيما يراه حقًّا.