الغيرة الزوجية.. قليلها سعادة وكثيرها نكد

أكد الباحثون الاجتماعيون أن الغيرة -كمرض نفسي اجتماعي- داخل الكيان الأسري تعد من المشاعر التي تتفاوت من شخص إلى آخر، ورغم أنها نابعة من الحب بين الزوجين غير أنها قد تتحول بمرض الشك والريبة إلى سبب جوهري في حدوث الخلافات الزوجية والمشكلات الأسرية، وبالتالي تهديد النسق المنزلي بالتصدع وخلخلة جدران روابطه العاطفية والنفسية والاجتماعية، والانتهاء أخيرًا بالطلاق إذا اتسعت دائرة الغيرة المظلمة. فيوضح الباحث الاجتماعي خالد الدوس أن الغيرة نمطان غيرة ايجابية وهي التي تحرك المشاعر، وتؤكد وجود الحرص على الآخر بوعي واتزان وعقلانية، والنمط الآخر الغيرة السلبية التي تنقل المشاعر الفيروسية من خلال أمراض الشك والارتياب ومراقبة الطرف الآخر ونزع الثقة منه، وإذا زادت الغيرة السلبية ومثالبها عن الحد الطبيعي تصبح ترجمة واقعية لحب الامتلاك والسيطرة وخنق خصوصية الآخر، لا سيما من الزوجة حيث إن الغيرة في «ثوب الريبة» تؤدي إلى تدمير العلاقات الزوجية وكسر زجاج المحبة والمودة داخل الكيان الأسري لتصبح مشكلات ومثالب قد تقود إلى الانفصال، وزاد قائلا: إن الغيرة صفة ملازمة لكثير من الزوجات وهو الوضع السائد في معظم البيوت، وهي جزء من العلاقة بين الزوجين ولكن ذلك يعتمد بالطبع على نسبة إظهاره والحدود الشخصية لكل من الزوجين، ويمكن القول بشكل عام إنه بمجرد أن تبدأ الغيرة المبالغ فيها بالتدخل السلبي في النسيج الأسري تبدأ (فيروسات التدمير) في العمل على تعكير صفو الحياة الزوجية وتصدع جدرانها العاطفية والنفسية والأسرية. واشار الدوس إلى أن التقنيات الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي أسهمت في زيادة (غيرة) شريكي الحياة بحكم العلاقات الافتراضية الكثيرة وقدرة المرء على التواصل مع الآخرين بلا قيود أو حدود. آثار ومساوئ وشدد قائلا: إن الغيرة الزوجية المبالغ فيها لها آثار ومساوئ كثيرة في المجتمع.. فهي تنال من المشاعر الزوجية القائمة على دعائم الحب والاحترام، ومنها انعدام الثقة تمامًا بين الزوج والزوجة وهذا بالطبع يؤدي إلى الإحساس بعدم الأمان والملل والضجر والنفور من الطرف الآخر، مشيرًا إلى إن سلوكيات الغيرة الزوجية تتجلى في مظهرها بالنسبة للزوج من زوجته الغضب السريع وعدم الشعور بالارتياح والسعادة عندما تتحدث الزوجة -مثالا- مع البائع في محلات البيع والشراء فضلا عن قضاء الزوجة وقتًا مع صديقاتها قد يقلق بعض الأزواج، وهنا تصبح الأسرة تعاني من آفة الطلاق الصامت أو الجفاف العاطفي، وهو بالمناسبة اخطر من الطلاق الطبيعي حسب نتائج الدراسات الاجتماعية والنفسية المتخصصة، كما أن من أسباب ظهور الغيرة الزوجية عدم قدرة الشريك على كسب ثقة الآخر، وبالتالي لابد من تغطية الطرف الآخر بالحوار الأسري والتفاعل الوجداني في ثوبه الاتزاني، مشيرًا إلى أن الغيرة تصبح جميلة إذا لم يسرف الشريكان في استخدامها، مبينًا أهمية الاعتدال السلوكي وإحكام العقل، ومراقبة الله في الأقوال والأفعال وحسن الظن، وتكريس مفهوم الاحترام المتبادل بين الزوجين، وإشاعة ثقافة الحوار الواعي، لتستمر الحياة الزوجية ومكوناتها في استقرار وهدوء واطمئنان. غيرة محمودة من جانبه قال المرشد النفسي والتربوي محمد مرضي: إن الغيرة المحمودة والمعتدلة تعتبر من أهم العوامل التي تساعد على نجاح العلاقة وتكوين أسرة سعيدة، حيث إنها دليل على الحب والاهتمام بين الطرفين فضلا عن أنها فطرية لدى الزوجين، ولكن الغيرة التي تزيد على الحد تتحول في معظم الاحوال الى الشك الذي يدمر الحياة الزوجية ويعيق التفاعل بين اطراف الاسرة ويتسبب في العديد من المشكلات بين الازواج، حيث انها تدل على انعدام الثقة في العلاقات الشخصية الزوجية بسبب المواقف او طرق التفكير المختلفة بين الطرفين. مبينا أن مفهوم الغيرة العام والتي هي عبارة عن احساس مركب من الخوف وعدم الامان وفي اغلب الاحوال تغير النساء اكثر من الرجال خاصة اذا كان الزوج وسيمًا او صاحب مركز مرموق فضلا عن الدراسات التي تشير الى ارتفاع نسبة الغيرة لدى النساء اكثر منها في الرجال وربما يكون الرجل هو سبب تلك الغيرة عند الزوجة صاحبة الشخصية الضعيفة التي لاتملك ثقة بنفسها او لديها قصور في مهارات التواصل الاجتماعي والاسري، فتظهر هذه الغيرة على شكل سلوك يؤثر في الحياة الزوجية او الاسرية، واضاف اما عن غيرة الرجل المحمودة فهي تعد جزءًا مهمًا في شخصيته كما يراها الرجال فلا بد ان يكون لديه غيرة على محارمه وكذلك على دينه فهي لدى الرجل تعتبر من الصفات التي يمتدح بها إذا ما أردنا ذلك لكن قد يكون هناك جانب سيئ إذا زادت عن الحد الطبيعي فقد تشكل عدم ثقة في النفس أو عقدة نقص يعاني منها في حياته. مبينا ان هناك بعض القيم والعادات في المجتمع الشرقي تغرس في الرجل حب التملك والسيطرة على زوجته على اعتبار ان المرأة ملكه يتصرف معها كما يشاء. وتعد غيرة الرجل على زوجته وتحكمه في ملابسها واوقات خروجها جزءًا من رجولته. أمان وطمأنينة مشيرًا إلى أن هناك العديد من الاسباب التي تثير الغيرة لدى الزوجة مثل عدم اهتمام الزوج بها او اهمالها بسبب انشغاله بعمله وتركه للمنزل فترات طويلة من الوقت وكثرة الاصدقاء كل تلك الامور تزيد المخاوف والشكوك. واضاف ان الغيرة تدل على عدم شعور الزوجة بالامان والطمأنينة كما انها تدل على عدم ثقة الزوجة بنفسها وبالتالي يجب على الزوجة العمل على زيادة ثقتها بنفسها وبزوجها لان الاحساس بالثقة ينعكس على الشريك والعلاقة الزوجية. وقال اذا كانت الزوجة ايجابية وواثقة من نفسها انعكس ذلك على علاقتها بزوجها، فالزوجة كثيرة الشك والاسئلة تثير غضب الزوج وتجعله يرد على تلك الاسئلة بأسلوب غير لائق مما يثير المشكلات بين الزوجين كما يجب على الزوج الاهتمام بزوجته ورعايتها حتى لا تشعر انها اصبحت بلا فائدة في حياته، فالزوجة تريد ان تشعر أنها المرأة الوحيدة في حياة زوجها ولا توجد امرأة أخرى تشاركها فيه. فالمرأة تغار على زوجها بدافع عاطفي كما أن التنشئة الاجتماعية للزوجة تلعب دورا مهمًا في غرس بعض القيم الخاطئة مثل محاصرة الرجل وزيادة تحكم الزوجة ورغبتها في السيطرة على زوجها والتدخل في كل تفاصيل حياته ومعرفة كل ما يفعله بحكم غيرتها عليه، وهو ما يعتبر من أخطر الامور التي تؤدي الى حدوث المشكلات بين الزوجين، فمن الافضل ان تترك له قدرًا من الحرية والاستقلال، ولذلك فإن القليل فقط من الغيرة يجعل الحياة الزوجية سعيدة ناجحة وجميلة، ولكن دون إفراط. من جانبه أوضح المحامي والمستشار القانوني عبدالعزيز الزامل أن الغيرة إذا كانت في وضعها الطبيعي بين الزوجين فهذا أمر محمود، إما إذا كان هنالك غيرة فوق اللا معقول فقد يترتب عليها الشكوك والوساوس ومراقبة الآخر، الامر الذي قد ينتج عنه طلب الطلاق لكثرة المضايقة. ونصح من يعاني من الغيرة الزوجية المفرطة مراجعة الطبيب النفسي لمعالجة الوضع المستمر لكي تدوم الحياة الطبيعية بين الزوجين.