سعيد عَقِل من «غنيتُ مكّة» إلى التنكّر للعروبة والعربية وتخريب التراث
وبعض ما تلته من أشطر وأبيات: غنيت مكة أهلها الصيدا والعيد يملأ أضلعي عيدا فرحوا فلألأ تحت كل سما بيت على بيت الهدى زيدا وعلى اسم رب العالمين علا بنيانهم كالشُّهب ممدودا يا قارئ القرآن صل لهم أهلي هناك وطيِّب البيدا من راكعٍ ويداه آنستا أن ليس يبقى الباب موصودا أينما صلى الأنام رأت عيني السماء تفتحت جودا ولكن حياة سعيد عقل وتقلباته الفكرية تصدم القارئ، الذي يستمتع بهذا الشعر الذي أبدعه بالعربية الفصحى؛ فـ»عقل» تحوّل بعد ذلك إلى العامية. ويصنّف الناقد الكبير الأستاذ عبدالله عبدالجبار - رحمه الله - هذا الانحدار الفكري الذي هبط إليه «عقل» بأنّه أخطر ممارسة عملية في هذا المجال، أي استبدال العامية بالعربية، فالرّجل قد اخترع أبجدية جديدة للغة العربية العامية، بالأحرى تُكتب بحروف لاتينية قوامها (36) حرفًا تقابل الحروف العربية الثمانية والعشرون، وأسس - كما يذكر الناقد عبدالجبار - لمشروعه الخطير مطبعة خاصة كبيرة تطبع كتبًا مؤلفة ومترجمة لكنها جميعًا بالعامية اللبنانية، مرجحًا في سياق نقده لما أسماه بالتَّخريب الثقافي وجود أيادٍ خفية هدفها طمس معالم الشخصية العربية، وأنها مرتبطة، بما عرف في حقبة الستينيات الميلادية، بالعودة أو الارتكاس للحقبة الفينيقية، - في نقده - محمّلًا عبدالجبار حركة القوميين السوريين العمل على تمزيق العروبة وفصمها عن حضارتها وتراثها وثقافتها، ورابطاً بين أفكار «عقل» التخريبية وحركة أدونيس، التي يرى أنها تهدف إلى تحطيم الثقافة العربية، واللغة القومية، والقيم الروحية. [انظر: المجموعة الكاملة للمفكر والأديب والناقد عبدالله عبدالجبار، الغزو الفكري في العالم العربي، المجلد الرابع ص7-92]. * وانتقد كذلك الأديب والكاتب محيي الدين اللاذوقاني، المحسوب إلى حد كبير على حركة الحداثة، ارتهان الحداثة العربية في بعض تجلياتها لما اسماه بالأوهام، مرجعًا بواعث ذلك إلى عدم التنبه إلى أن الثقافة في أي أمة أو مجتمع يستحيل أن تتطوّر إلا من داخل منجزها التراثي. ويؤكد اللاذقاني بأن حزب الحداثة العربية المعاصرة بشقيها الفرانكفوني والأنجلوسكسوني وقع ضحية للأوهام نفسها التي تحكمت بفكر عصر النهضة في لهاثه المستميت للتغريب، دون النظر إلى المعطيات الحضارية العربية. وحاول أن يلعب دورًا ما في صراعات عالمية معقدة بين الثقافتين الفرنسية والأمريكية الحاضنة للإرث الأنجلوسكسوني، ثم وجد ذلك الحزب - أي الحداثة السلبية - نفسه هامشيًا ومعزولًا أحيانًا في إطار الثقافة الكونية والمحلية على السواء، وذلك لعجزه عن عقد أواصر تلك الصلات التي لا تنفصم، ولا بالمستطاع إنكارها بين الموروث الحضاري، والتطلعات المستقبلية لكل ثقافة طموحة. [انظر: آباء الحداثة العربية، محيي الدين اللاذقاني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص10-11]. * ويمكن للاستئناس في هذا بالمنحى النقدي الهام الذي أشار إليه اللاذقاني في قضية ضرورة العودة إلى المنجز الحداثي العربي المتمثل في نصوص كتاب ومبدعون عرب من أمثال الجاحظ، وأبي حيان التوحيدي، بارتباط المبدع والناقد ورائد الحداثة الغربية ت.س اليوت T.S. ELIOT، 1888م-1965م، والحائز على جائزة نوبل للأدب عام 1948م، ارتباطه بالتراث النقدي الغربي بدءًا من هومير، ومرورًا بـ»شكسبير» وانتهاء بـ»بودلير». [انظر:Ronald Bush, T.S. Eliot, A Study In Character And Style, Oxford University, 1983. ** لقد ذهب «عقل» بعيدًا في خلع رداء عروبته وتراثها؛ حتى إنّه رأى ضرورة تخليص أرض لبنان من كل وجود فلسطيني، وممتدحًا، في مفارقة عجيبة، رموز الإرهاب الإسرائيلي، مضفيًا عليهم نعوت القداسة والتبجيل، حتى ليخيل لك أنك أمام شخصية لم تفقد هويتها الذاتية فقط؛ بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، بما يؤكد على ضرورة العودة إلى حدس الأستاذ رجاء النقاش، الذي فضح مشروع «عقل» التخريبي منذ حوالى نصف قرن من الزمن وأكثر، وتساءل مستغربًا ومستهجنًا: تُرى من الذي يموّل مطبعة سعيد عقل؟ ومن الذي يقف وراء هذا المشروع الكبير؟ لابد أن تكون هناك هيئة.. ما طبيعتها؟ ما مصلحتها في ذلك؟! ** ولعله من المؤسف أن توجه الضربات الحاقدة إلى تراث الأمة على أيدي بعضٍ من المحسوبين عليها، وشتان المسافة بين حقبتين في حياة «عقل»؛ الأولى «غنّيت مكّة»، والثانية وهي الأكثر التصاقًًا به هو زعمه الباطل بأن العربية لغة ميّتة.