أبحاث علمية مغيّبة تكافح الإرهاب

أبحاث علمية مغيّبة تكافح الإرهاب

أكرمني الدكتور عبد الرحمن الهدلق بالعديد من الأبحاث والدّراسات ذات العلاقة بمكافحة الجريمة والفكر المنحرف، الصادرة عن مركز البحوث والدّراسات في كلية الملك فهد الأمنيّة، وهي أبحاثٌ قام عليها نخبة متميّزة من المختصّين وأصحاب الشّأن. وهي في الجمْلة أوراقٌ علميّة جديرة بالقراءة والتّأمل، واستقصاء ما تحتضنه؛ لما في ذلك من أثر إيجابي كبير على هذا الوطن وأبنائه، حمايةً للمجتمع من قبح الجريمة وسوءتها، وكشفًا لخطرها الماحق في العاجل والآجل؛ خاصّة وأنَّها قائمة على أُسس علميّة محكمة، وليست كلامًا إنشائيًا يضيع في الهواء كما يضيع أيّ كلام لا قيمة له. وتلك الدراسات تهدف في الأساس إلى استقراء العلاقات التكامليّة بين أنساق المجتمع المختلفة، ودورها في إحداث منظومة أمنيّة متكاملة؛ كما أن بعضاً منها يستعرض النموذج السعودي في التّنمية ودوره الفاعل في إحداث الاستقرار الأمني في المجتمع السعودي، بالإضافة إلى استعراض أبرز أنساق المجتمع ودوره في إحداث التكامل الأمني في داخله، واستعراضاً لدوره الاجتماعي في النسق الأمني، على صورة أبحاث علميّة ميدانيّة متخصّصة ومركّزة شكّلت في مجملها سلسلة فكريّة مترابطة. ولهذا فإنّني أتمنّى على القائمين على تلك الدراسات والأبحاث إخراجها من نطاق التوزيع الضّيق إلى الفضاء الواسع، وإيصالها إلى أكبر عدد ممكن من شرائح المجتمع بكل فئاته، مع استخلاص ما توصّل إليه الباحثون وتقديمها على هيئة (كتيّبات صغيرة)؛ ليتسنى لمقتنيها قراءتها والإفادة منها، إذ أنّها جديرةٌ بالاهتمام والدّرس، وقمينة بالاقتناء والقراءة، ناهيك عن الجوهرالأساس منها؛ وهو: تفعيلها بما تحويه من جوانب أمنيّة تحفظ للوطن أمنه وتقدّمه وازدهاره. وإذا كانت تلك الأبحاث والدراسات في جملتها تهتم بالشأن الأمني بكل أبعاده، فلا شك أنَّ الإرهاب والفكر المتطرف يأتيان في المقدمة، لهذا فقد وجب أن نؤمن إيمانًا صادقًا أنَّ الإرهاب والتّطرف في شقيهما الأبرز، يقومان - في الجوهر- على جانب فكري متجذّر في الأمخاخ، اتّخذ الدّين مطية له، ومنفذًا يتسع لكل عقل صغير، وتفكير محدد، ويزداد خطره في مكمن استتارته، وإغفال تعريته بالشكل الذي يكشف سوءته وقبحه وسوء عاقبته، الأمر الذي يجعلنا نعتقد أن علاجه يقوم على أسباب وجوده كينونة وبقاء؛ لأنَّ الفعلَ الإرهابي حين يبدأ من فكرة شريرة، وغواية شيطانيّة؛ ثم يستحيل بفعل معطيات أخرى تكفيرًا وقتلاً وسفكَ دماء، وخروجًا على الأمة ترابًا ووطنًا بلبوس لا يستقم له دليل شرعي أو برهان عقلي. فإذا آمنا بتلك الحقيقة - كما قلت في مقالات سابقة-، وتبنيناها، وعملنا على تفعيلها في جميع مناشطنا سواء كانت دعويّة، أو فكريّة، أو تربويّة، أو تعليميّة، فقد بدأنا بحق وصدق في معالجة هذا الداء؛ إذ أنّ المعالجة الأمنيّة أدّت دورها المناط بها، ولا زالت، بالشكل الذي لا ينكره إلاّ جاحدٌ أو مكابر، حيث أثبتت من خلال تلك المعالجة أنَّ هبّتها في وجه عاصفة الإرهاب حين هبّت بكل قسوتها وعنفوانها؛ واجهتها بحزمٍ وقوّة حتى استطاعت – بحمد الله- أن ترتقي لمواكبة الجديد في الأساليب المستخدمة والمتجدّدة، وكان لهذا الجدّ، وهذه القوّة أثرهما الكبير في حياة النّاس، وحماية أرواحهم وممتلكاتهم، وجلب الأمن والطمأنينة لهم، وهذا هو المطلب الملّح الذي ينشده العقلاء ويرنو إليه أولو الألباب. لهذا؛ وذاك، فإنَّ النجاح الأمني الذي يعرفه الكثيرون لهوَ موضع اتّفاق، كما أنَّ قصور المعالجة الفكرية وعدم مواكبتها للنجاح الأمني موضع اتفاق كما يقول الكاتب محمد الفال. إنَّ إيماننا واستشعارنا بخطر الإرهاب ونتائجه المهلكة، وأضراره الوخيمة، توجب علينا جميعًا بلا استثناء محاربة هذا الداء العضال؛ محاربةً لا هوادة فيها، ومعالجةً تتعاطى مع هذا الخطر بكل أبعاده الآنيّة والمستقبليّة. وإنَّ إيماننا بآفات الإرهاب، واعتقادنا بعظيم أخطاره وزلاته ومهلكاته في الحاضر والمستقبل، وتفهمنا لمآلاته لهوَ الهم الكبير الذي يجب أن نضطلع به؛ كفرضٍ دينيّ يجب الاعتقاد به، وواجب وطني يفرضه علينا سمْت هذه الأرض الطّاهرة في ظل حكومة راشدة، وقيادة حكيمة.