لمحاتٌ من التآلفِ والتوادِّ عندَ علماءِ الأحساءِ - المذاهبُ الفقهيةُ عاملُ ثراءٍ ونماءٍ

لمحاتٌ من التآلفِ والتوادِّ عندَ علماءِ الأحساءِ - المذاهبُ الفقهيةُ عاملُ ثراءٍ ونماءٍ

من عميم نعمة الله على الأَحساء أن جعلها بيتًا لأرباب المذاهب الأربعة، فكان بها كثير من العلماء الذين لم يكونوا حَفَظةً للمسائل، بل فيهم من أكابر العلماء الذين شأنهم استنباط دقائق الشرع وتقرير عِلل المذهب وتمهيد أصول الفتيا، بأئمَّةٍ صارت بهم الأحساءُ قِبلةً لطلاب العلم من سائر البلاد، ولم يكن حال الأحساء بِدْعًا من الأمر، ولكنها كانت تُمثِّل أنموذجًا رائعًا من الوفاق والوئام والتحابِّ والإخاء بين أصحاب الاجتهادات الفقهية المختلفة، وإن الناظر في فتاواهم يجدها خِلوًا من أي مظهر من مظاهر التعصُّب التي وُجدت في بعض البلاد، يحميهم من ذلك ما وهبهم الله من العلم، ومن وفرة العلماء في سائر أحياء البلاد، فتجدهم يتحرَّجون تحرُّج السلف الصالح من الإقدام على الفتوى تحليلاً وتحريمًا، فهذا العلاّمة السيد عمر بن عبدالرحيم الحسني الشافعي يقول في فتوى له حول اختلاف الناس في حكم مسألةٍ أشكلَتْ عليه: (التوقُّف في هذه المسألة عن القطع بأحد الطرفين، أسْلَمُ للدِّين، وآمَنُ مِن الخطر عند المحاسبة يوم الدين ...إلخ) ومن أَدبهم في الخلاف أنَّ مفتي الحنابلة في زمانه الشيخ محمد بن عبدالله بن فيروز -رحمه الله- قضى في مسألةٍ عُرضت عليه، أن مذهب الحنابلة أنه يتعيَّن إحالتها إلى فقيهٍ مالكيٍّ ليقضي فيها، لأنه المذهب الغالب الذي جرى به عرف البلد، وقد كان بعضهم يتتلمذ على بعض، فقلَّما تجد عالمًا بالأحساء إلاّ وله من الشيوخ من غير مذهبه الكثير، يتتلمذ بعضهم على بعض في الأصول، وفي السلوك، وفي أصول الفقه وفي العربية، وفي غيرها من سائر العلوم، وقد كان بين علماء الأحساء من الروابط ما جعلهم يخصصون يومي الثلاثاء والجمعة يومَي عطلة، وليس الجمعة والسبت، لأن تحديد العطلة أمرٌ عاديٌّ عُرفيٌّ، وليس أمرًا تعبُّديّاً، تركه الشارع لما يراه الناس ويتَّفقوا عليه، فخصَّ علماءُ الأحساء يوم الجمعة ليكون يوم تزاور وصِلةٍ بين الأرحام، ويوم الثلاثاء ليكون مجلسًا يلتقي فيه العلماء في البساتين، فهذا الشيخ عبدالعزيز بن حمد آل الشيخ مبارك يقول لأحدهم وقد شُغلَ فتخلَّف عن بعض المناسبات: يا خليلِي علامَ تَهْجُرُ قومًا مَحَضوكَ الوِدادَ مُذْ كنتَ طفلا أم تشاغلتَ عنهُمُ بغزالٍ يستميل القلوبَ حُسنًا ودَلاَّ فلِهذا وقتٌ وللصَّحْبِ وقتٌ وأحَظُّ الوقتين وقت الأخِلاَّ وكانت هذه المجالس موضعًا للتدارس والتباحث في شتى العلوم، وفيها من المباسطات والمكاتبات الأدبية ما يزيدها بهجةً وأُنسًا، فمن ذلك ما كتبه الشيخ عبدالعزيز بن حمد آل الشيخ مبارك المالكي إلى صديقه الشيخ عبدالله بن علي آل عبدالقادر الشافعي: البينُ صدَّكَ لا أنْ تَشحط الدارُ ومدمع العين في الحالين مدرارُ يا آسِرَ القلب جَبرًا في محاسنه أمَا لِمَكسور قلبي منك إجبارُ إلى أن قال: فإن في المنحَنَى من أضلعي لكُمُ بيتٌ وأنتم له مُذْ كان عُمَّارُ فكيف هان عليكم أن تُضرَّمَ في بيتٍ بكم عامرٌ يا سادتي النارُ وهذا آخر مَن أدركتُه من كبار علماء الأحساء الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مبارك -رحمه الله- كان يُدرِّس الفقه على ثلاثة مذاهب، فكان له طلاب يدرسهم الفقه المالكي، وله طلاب يدرسهم الفقه الحنبلي أجلُّهم الشيخ عبدالعزيز بن بطي الحنبلي -حفظه الله-، وله طلاب يدرسهم الفقه الشافعي، أجلُّهم الشيخ عبداللطيف آل نعيم الشافعي -رحمه الله- بل وكان أقرب تلاميذه إليه، هذه إشارات لما عليه علماء الأحساء من تآلفٍ وتآخٍ، حيث كانت وفرةُ المذاهب الفقهية عاملَ ثراءٍ ونماءٍ، أسأل الله أن يجمع شمل المسلمين، ويزيل عنهم أسباب التفرّق والشقاق، والحمد لله رب العالمين.