يداك أَوْكَتا..!!
كلّ مرّة أزداد يقنيًا بأنّ محاربة الإرهاب، وأشكال التّطرف، والفكر والمنحرف لم تعد قضية أمنيّة، تضطلع بها الجهات ذات العلاقة؛ وإنّما هي قضيّةٌ دينيةٌ وهمّ وطني، بله إنساني، يتّصل بمكوّنات هذا المجتمع ومقدراته ومكتسباته؛ فضلًا عن أجياله المتلاحقة. ولذلك بات من اللّازم اللّازب تفهّم هذه الإشكاليّة الكبيرة تفهمًا جيّدًا وواعيًا ليس على المستوى الأمني فقط؛ ولكن على المستوى الجمعي وفيما يتّصل به من مؤسسات أهليّة وحكوميّة بنفس الدرجة والاهتمام والواجب المحتوم. ولعلّ السّؤال الأخطر في هذا السّياق، يرجع في أسّه الكامن فيما يتعالق به ويتّصل بخيوطه المتشابكة هو؛ كيف نعرف مكامن الإرهاب وبؤره، ومجامع التّطرف وخيوطه، والانحراف ومساربه، فالتّشخيص العام، والوصف المجاني سهل المنال، يعرفه الجميع دون استثناء، إذ نكاد نقرأه كلّ يوم، بل في كل ساعة؛ في المؤتمرات المنعقدة، والتوصيات المتلاحقة، وفي المقالات السيارة، والأبحاث المنشورة؛ ولكنّ الصّعوبة تكمن في سؤال ملْحاح، يدور رحاه دائما غداة كل يوم؛ وأعني به: من أين جاء هذا الإرهاب وما يتبعه من شرور ومهلكات؟، وما خلفياته؟، وما مسبباته؟، أسئلة كثيرة لا تنتهي تدور حول نفسها أشبه ببيت العنكبوت دون الوصول إلى كنه هذا الشّر المستطير!! هناك حلقة.. حلقات متّصلة نشعر بها جميعًا، ونحسّها، في كلّ مكان، وكلّ زمان تُزرع في العقول، والأمخاخ، والنّفوس بذور كثيرة من الكره والتّطرف، وتذروه أيادٍ بيننا هذا الفكر والانحراف؛ ولكنّنا مع كلّ ذلك، لا نستطيع الإمساك بها؛ لأنّها خيوط رقيقة وشفافة مثل الهواء قد يستنشقه الكبير والصغير، والوليد والتليد. ... فهل هي في مدرسنا، أم في مناهجنا؟! ... هل هي في مساجدنا، أم خطبنا؟! ... هل هي محاضراتنا، ومقالاتنا وبحوثنا؟! ... هل هي كتبنا القديمة، وبين أضابيرنا؟! هل نحن نزرع كلّ ذلك دون أن نحس بزرعنا؟ّ هل نحن نبذر تلك البذور دون أن نشعر بها في بيوتنا، وإخواننا، وأبنائنا، وطلابنا، ومؤسساتنا، وفي كل ما حولنا؟!! هل نحن نبذر دون أن نحس أو نشعر، ونغرس غرس الشؤم هذا في دواخلنا.. بلا إحساس، بلا عقل، بلا فكر..؟! هل يصحّ فينا ذلك المثل العريض الذي قاله ذلك العربي البسيط :' يداك أَوْكَتا وفوك نفَخ'؟! أو قول ذلك الشاعر العربي الرابض تحت التراب: صهٍ لِجَوَابِ مَا قُلْتُمْ وَأَوْكَتْ أَكُفُّكُمُ عَلَى مَا تَنْفُخُونَا إِذَا كَانَتْ جُلُودُكُمُ لِئَامًا فَأَيَّ ثِيَابِ مَجْدٍ تَلْبَسُونَا أو قول هذا الآخر: دُعَاؤُكَ حَذْرَ الْبَحْرِ أَنْتَ نَفَخْتَهُ بِفِيكَ وَأَوْكَتْهُ يَدَاكَ لِتَسْبَحَا كل ذلك محتمل، وجائز، والمحتمل والجائز يقومان مقام واجب المحاسبة والمراجعة: فأنفسنا، وعقولنا، ومنهجنا، وخطبنا، وسائر أمرنا كله جدير بالمحاسبة، والمراجعة، والقسوة. لقد أصبحت مساحة الفراغ كبيرة وكبيرة جدًا في تلك الأسئلة لهثا عن جواب، يسطره الجميع دون استثناء، فليتحسّس كلّ منّا خلله، وليبحث عن موطأ قدم صحيحة تَثب فيه رجلاه دون ارتباك أو انتفاضة..!!