وقفات حول قضايا المرأة (1)

تبرز في السّاحة الفقهيّة الكثير من دعوات التجديد؛ ولكنها دعوات لا تكاد تتجاوز القشور دون الجوهر واللباب، دعوات يقدمها بعض الفقهاء - على ندرتهم- على استحياء؛ لأنّ هناك تيارات فقهيّة قوية، أو مدارس فقهية تقليديّة لا تكاد تبارح مكانها منذ سنوات عديدة، وذلك لعدة أسباب تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاجتماعية؛ فضلاً عن تلك الهيمنة المتفرّدة التي قد تنزع عن هذه المدرسة أو تلك قوامها من المكاسب سواء كانت على المستوى الفردي، أو حتى على مستوى أركان تلك المدرسة، والأمر الذي ولّد الكثير من الاشكالات المتعددة، بله المتناثر، التي وقف منها الفقه التقليدي موقف الصّمت والعجز، وإنْ تظاهر بعض أفراده بمسايرة العصر، من خلال بعض الصّيحات التي تتزيّا بلغة عصريّة؛ ولكنّها في حقيقة الأمر لا تبارح المعالجات التقليديّة في الصّميم. يدعو المفكر الصادق المهدي في كتابه (نحو مرجعية إسلامية متجددة) إلى تجديد الفكر التقليدي الإسلامي من خلال ثورة ثقافية إسلامية في أمر المرأة تطرد المفاهيم المكرّسة لدونيّة المرأة طردًا مؤسّسا على اجتهاد رصين يقوم على مناسبات النصوص وصياغتها نظراً إلى تكريم الإنسان من ذكر وأنثى، خاصّة وأن التّطبيق العملي أيام السّيرة النبويّة كان منصفًا للمرأة على غير ما نجده في الكثير من الأعراف والتقاليد التي استوعبها الفقه لاحقًا بطريقة أو بأخرى، ويبرز الصادق المهدي في هذا السّياق مجموعة من القضايا المتعلّقة بالمرأة سأحاول، استعراضها؛ كـ(ميراث المرأة)، و(مسألة التعدد)، و(شهادة المرأة)، وهذه الأخيرة يكاد، فيها يخالف كثيراً ما أجمعت عليه الأمّة- وإن كنت أعتقد بما يعتقد به- تبعًا لتبدّل الحال وما يتّصل به من سياقات اجتماعيّة، واقتصادية. يعلّق الصادق المهدي على هذه الآية الكريمة: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ)، على اعتبار أنّ المرأة ترث واجب نصف الرجل، والوراثة في الإسلام تقوم على أمرين؛ القرابة وحاجة الوريث، والرجل في الظّروف العادية يقوم بالكسب وعليه واجب النفقة؛ لأنّ المرأة تقعدها ظروف كثيرة؛ كالنفاس، والحمل، والرضاعة. ولكنّ الحقيقة - حسب تعبير صاحب الكتاب- هي؛ أنّنا إذا نظرنا إلى نظام التوريث الإسلامي نرى أنّه متى انتفت هذه الحاجة يتغيّر الحكم، فعندما يكون للشخص المتوفى أم وأب فتنتفي ظروف النفقة المذكورة يتساوى نصيب الأم والأب (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُس)، أي أنّ الأنوثة ليست سببًا للدونيّة، ولكنّ المسألة مربوطة بحقوق وواجبات، ولكن السؤال: ماذا لو تخلّى الرجال عن مسؤولية النفقة وصارت المرأة ربّة بيت؟ يأتي الجواب من صاحب الكتاب: «أقول للمورث أو المورثة الثلث لاستيعاب هذه المستجدات، فالمسألة حقوق حسب الواجبات وليست مفاضلة نوعية بحيث نقول: إن هذا النصيب يعني أن المرأة نصف الرجل وفي سائر الأموال الزكوات والصدقات تتساوى أنصبة الناس حسب الحاجة، فلا سبيل لتأسيس دونية المرأة على أساس نظام المواريث في الإسلام... وللحديث تتمة.