ظلموك إذْ لم ينصفوك.. عبدالله سلامة الجهني

* بداية لابدّ من الإقرار أنّ عنوان هذه المقالة ليس ممّا يدخل في إبداعات كاتب هذه السّطور، ولكنّه عنوان لمقالة مؤثّرة كتبها الإنسان المهذّب والأديب المخضرم الأستاذ حمد القاضي في عام 1393هـ، ونشرها في صحيفة «عكاظ» – إن لم تخنّي الذّاكرة – على خلفية عدم تكريم مؤتمر الأدباء الأوّل، المنعقد في رحاب البلد الحرام، للرّائد والأديب والشّاعر طاهر زمخشري – رحمه الله -، ورسخت هذه الكلمات في ذهني؛ لأنّها تعبّر عن نزعة الوفاء، أو كما عبّر الأستاذ الراوية محمّد حسين زيدان يومًا عن الجحود الذي لقيه الرّائد والفيلسوف حمزة شحاتة، فقال في معرض حديثه عن نشأة الأدب السٌّعودي الحديث: «ثمّ جاء شحاتة، فكان كما قال مصطفى صادق الرّافعي عن الأديب شكيب أرسلان، أو من يٌعرف بأمير البيان العربي، لو لم يكن شاعرًا مجيدًا لكان كاتبًا مُجيدًا، ولكنّ القصور وفقدان الحظوة جعلا من حمزة غير ما يستحقُّ». وهو الوصف الذي يمكن استعارته للحديث عن الأديب عبدالله سلامة الجهني (1349 -1410هـ)، والذي عرفته في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات الهجرية في زمن النّشأة ببلد المصطفى صلّى الله عليه وسلّم؛ فلقد كنت أتردّد بين الحين والآخر على مكتبة عارف حكمت، والتي كانت تقوم بالجهة الجنوبية من المسجد النّبوي الشّريف، فلمحت هذا الإنسان النّحيل في جسمه، والمتواضع في لباسه، ويحمل بين يديه حقيبة ممتلئة بالكتب، ثمّ إذا ما كان وقت المكتوبة اتّجه إلى الصّفوف الأولى من المسجد النّبوي الشّريف، وكنت كبقية الزّملاء في تلك الحقبة يطيب لنا الدّرس في الجزء المجاور لباب جبريل، والمعروف باسم «فرش الحجر»، فكان المرحوم الجهني يأتي بكل أدب ووقار فيجلس في ذلك الفضاء المضمّخ بنورانية وقدسية المكان والزّمان، ويتلو القرآن، فكانت حياته تنحصر بين موضع سكناه ممّا كان يعرف آنذاك «الحرّة الغربية» تمييزًا لها عن «الحرّة الشرقية»، وبين الحرم والجوار الشّريف وخزائن العلم والمعرفة المنتشرة حول المسجد الطّاهر والمثوى الشّريف. ثمّ عرفت من أستاذنا المربّي محمّد حميدة - شافاه الله وسواه - أنّ «الجهني» تخرّج في كلّية دار العلوم بجامعة القاهرة، وواصل دراسته حتّى تحصّل على دبلوم التربية العالي، وإخاله عمل ملحقًا ثقافيًا في بيروت، وتأكيدًا كذلك على ما أوردته أيضًا بعض المصادر المتخصّصة في الأدب السعودي من معلومات شحيحة عنه مثل «معجم المطبوعات العربية في المملكة العربية السعودية» للأستاذ علي جواد الطّاهر:ج2، 644، وبعد أن توثّقت العلاقة بيني وبين أستاذنا الجهني، والذي أطلقتُ عليه في مقالة سابقة لقب «الفيلسوف الزّاهد»، ردّد على مسمعي يومًا عبارة تختصر مراحل حياته الحافلة بضروب من النّشاط التّعليمي والفكري والأدبي «لقد نشأت بالمدينة، وتعلّمت في مصر، وأنتجت في لبنان، واليوم أعود إلى المدينة لأبحث فيها عن موطيء قدم». وفي أثناء سنيِّ دراسته في مصر - رحمه الله - أشرف على إخراج كتاب حمل عنوان «طلبة البعثات السعودية في مصر»، وشاركه الأستاذ المربّي عبدالرحمن التّونسي في إخراج هذا الكتاب، الذي يدلّل على النشاط الأدبي للطلبة المبتعثين في ديار الغربة آنذاك، كما أنّه نشر كتابًا في عام 1383هـ دعاه «أفكار بيضاء»، وله كتاب آخر يحمل اسم «علم الأنساب»، وهو في فلسفة هذا العلم، وبدأ في أخريات حياته كتابه «تفسير لبعض سور القرآن الكريم». * كان عبدالله سلامة من أولئك الروّاد الذين إذا جلست إليهم تشعر بأنّك تجلس إلى عالِمٍ وأديب وفيلسوف، يقرُّ بالرّأي الآخر، ويدعو إلى تحقّقه، كما كان يدعو أيضًا إلى مكارم الأخلاق، والتي حثّ عليها مقاصد الشّرع الحنيف، وكان مجسّدًا في سلوكياته، وفي جميع مراحل حياته، لتلك المبادئ التي كان يدعو إليها برفق. ولقد أخبرني عزيزنا الأستاذ علي حسّون بأنّه في حقبة رئاسة الأستاذ أحمد محمود لتحرير صحيفة المدينة، قدّم دعوة للأستاذ الجهني للكتابة في الصّحيفة، وقرّرت الصحيفة تخصيص مكافأة مالية له، فسلّمها نقدًا له الأستاذ الحسّون، فلم يرفضها؛ ولكنّه قبل خروجه من مبنى الصحيفة وزّعها بطريقته على بعض مراسلي الصّحيفة، وتوجّه بالقول للقوم قائلاً: إنّهم أحقّ بها منّي»!، وقد يعلّق البعض قائلاً: إنّ هذا السّلوك يجسّد مثالية مفرطة، ولكن صدق الشّاعر الكبير أبو الطّيب المتنبي عندما قال: وإذا كانتِ النُّفوسُ كبارا تعبتْ في مُرادِها الأجسامُ وقد كان - رحمه الله - كثير التّرديد لهذه الأبيات: يا خادمَ الجِسمِ كمْ تَسعى لخدْمَتِه أتطلبُ الرِّيحُ ممّا فيه خُسْرانُ أقْبِلْ على الرُّوحِ واسْتكْمِلْ فَضائِلَها فأنْتَ بالرُّوحِ لا بالجِسم إنْسانُ * لابدّ من الإشارة إلى أنّ الأخ الأكبر، والأكاديمي المعروف الأستاذ الدكتور مرزوق بن تنباك؛ قد كتب عن الرّائد الجهني في ملحق الثقافة بصحيفة الرياض قبل عدّة سنوات ممّا يبرهن أنّ جيلنا وأجيالًا سبقته في طيبة الطّيبة قد تأثرت بالمنحى الأدبي والشّمائل الرّفيعة التي كانت تنطوي عليها شخصية أستاذنا الجهني، - أسبغ الله عليه شآبيب الرّحمة والرّضوان -. * ولقد عانى - رحمه الله- من قسوة الحياة، وتفرّق الأصدقاء من حوله في فترة من فترات حياته، ممّا جعله يستأنس بالوحدة، ويرضى بتلك العزلة، والتي لولاها لأفاد طلاب العلم وشداة الأدب من علمه وفكره وأدبه شيئّا كثيرًا، وهو في هذا المنحى يلتقي مع أدباء كبار من أمثال: حمزة شحاتة، وحسين سرحان، مذكّرين جميعهم بحياة شاعر العربية وفيلسوفها الكبير أبي العلاء المعرّي، أو من عرف باسم «رهين المحبسين»، والذي يقول مجسّدًا حقيقة هذه الحياة الفانية، ومصوّرًا ضعف الإنسان الذي يتكبّر ويتجبّر دون تذكّرٍ لمصيره المحتوم، ونهايته التي لا فرار منها: خفِّفِ الوَطْأ ما أظنُّ أديمَ الأرضِ إلا مِن هذه الأجسادِ وقبيحٌ بنا وإن قَدُمَ العَهدُ هوان الآباءِ والأجْدادِ سِرْ إنْ اسطعتَ في الهواءِ رويدًا لا اختيالاً على رُفاتِ العِبادِ رُبَّ لحدٍ صارَ لحدًا مِرارًا ضَاحكًا مِن تَزاحمُ الأضْدَادِ إنّ حُزنًا في ساعةِ المَوْتِ أضْعَافَ سُرُورٍ ساعةَ المِيْلادِ