نَبْتةٌ عظيمة
تاريخ النشر: 03 يوليو 2015 00:04 KSA
هناك بشرُ كُثر تصارعهم أنفسهم لتقديم العون لكلّ من يحتاج إليهم، يحملون في دواخلهم بذور الخير للقريب والبعيد، أياديهم فُضْلى بالعون، وألسنتهم تطفح بالشكر والعرفان، وهناك أناسٌ في المقابل، تتبارى أفعالهم بالنّكران والجحود؛ فضلا عن أذيّة خلق الله، والسّعي للنّيل منهم.
ولعلّ كُتب التاريخ تطفح بالمثالين؛ إلاّ أنّ مساحة العرفان تبدو هي الرّابح الأكبر عند أصحاب النّفوس الكبيرة في هذا السّياق، إذ لا يغرب عن الجميع قصّة مطعم بن عدي عندما سعى في نقض الصّحيفة التي علّقتها قريش على الكعبة لِما فيها من مقاطعة بني هاشم وبني المطلب؛ لأنّهم ناصروا النّبي -صلّى الله عليه و سلّم-، ولأجل ذلك روى، محمد بنِ جُبير، عن أَبِيه؛ أَنّ النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- قَال في أُسارى بدرٍ: «لو كَان المُطعمُ بن عديّ حيًّا، ثم كَلمني فِي هؤلاء النتنى، لَتَركتهُم لَه».
إنّ تلك الواقعة، بما تحمله من إقرار بالعرفان وتثمينٍ للموقف، لا تصدر أبدا إلاّ من نفسٍ عظيمة تتزيّا بالأخلاق السّامية يعزّ عليها أن تتنكّر لأُولى الفضل حتى ولو كان تثمين هذا العرفان لرجلٍ لم ينطق الشّهادتين كما هو حال المُطعم.
وهذا أبو البختري كان في صفّ المشركين يوم بدر، فنهى النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- عن قتله، قال ابن هشام: قَال ابن إسحاق: وإنّما نهى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- عن قتل أبي البختري لأنّه كان أكفّ القوم عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- وهو بمكة، وكان لا يؤذيه ولا يبلغه شيئا يكرهه، وكان ممّن قام في نقض الصّحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم وبني المطلب.
ولهذا؛ فكلّما كبرت النّفس وتسامت بالوعي كلّما تعمّق في داخلها الإقرار بالفضل حتّى ولو كان عملا صغيرا لا يعتدّ به، فقد كان السّلف الصّالح يثمّنون مواقف أهل الفضل، ولا يجازون الإحسان إلاّ بالإحسان، فعندما بلغ سفيان بن عيينة قتل جعفر بن يحيى وما نزل بالبرامكة حوّل وجهه إلى الكعبة وقال: «اللهم إنه كان قد كفاني مؤونة الدنيا فاكفه مؤونة الآخرة».
وقد قيل إنّ الإمام أحمد بن حنبل مكث أربعين سنة ما بات ليلة إلاّ ويدعو فيها للشّافعي وفاء بمعروفه في تعليمه الفقه والأصول.
يقول الدكتور صموئيل جونسون: «إنَّ الاعتراف بالجميل هو ثمرةُ نبتةٍ عظيمةٍ، وأنت لا تجدُها بين الغلاظ من الناس».
وعطفا على كلّ ما سبق يجب أن نتذكّر جيدا مقولة لإسكندر عندما قيل له: أيُّ شيءٍ أنت به أسرُّ؟، قال: قوَّتي على مكافأة مَن أحسن إليّ بأحسنَ من إحسانه.