الحجر.. تراحم أم عقوق؟!

الحجر.. تراحم أم عقوق؟!

خيط رفيع.. ذلك الذي يفصل بين الأشياء ونقائضها، وللوهلة الأولى يبدو أن تزايد قضايا ودعاوى الحجر في المملكة، والمقامة من الأبناء لمنع الآباء من التصرف في أموالهم وممتلكاتهم، تعد مؤشرًا على عقوق الوالدين، وطغيان المادة وغياب التواصل والتراحم الأسري والطمع في الاستيلاء على أموال الأباء، لكن الأمر ليس كذلك في كل الأحوال، فبعض تلك الدعاوى قد تكون برًّا بالوالدين ورحمة بهما وحماية لأموالهما من سوء التصرف والتبديد في حالة عدم الأهلية جراء الإصابة بالزهايمر أو الخرف، تلك الأمراض، التي انتشرت بين كبار السن في العصر الحالي. أرقام وإحصائيات بلغت قضايا الحجر في مناطق المملكة خلال عام 1434هـ، 23 قضية، 10 منها بالرياض و6 بالشرقية و4 بمكة المكرمة واثنتان في المدينة المنورة، فيما بلغت قضايا الحجر عام 1435 هـ 55 قضية، حيث تصدرت الرياض القائمة بـ19 قضية، تلتها كل من المدينة المنورة والشرقية بـ12 قضية لكل منهما، فيما كان نصيب منطقة مكة المكرمة 11 قضية، وواحدة بالقصيم. التعريف القانوني منع المحجور عليه من التصرفات القولية كالبيع والهبة والتصدق، على أن بعض التصرفات قد يسمح بها بعد إذن الوصي: 'هكذا يعرف المستشار القانوني الدكتور أحمد بن سعيد الشهراني أستاذ القانون المساعد بكلية الشريعة والأنظمة بجامعة الطائف، الحجر، موضحًا أنه نوعان إمّا لمصلحة المحجور عليه، أو لمصلحة غيره، فإن كان لمصلحته فهو حجر في المال والذمة، وإن كان لمصلحة الغير فهو حجر في المال فقط. ويؤكد الشهراني أن الحجر ليس إلاّ أداة وضعها الشارع للحفاظ على أموال فئة من الناس أو ذممهم، إلاّ أن البعض يلجأ إليها لمجرد الإضرار بمن يرغب الحجر عليه. وتتمثل الأسباب الشرعية والقانونية للحجر في الرق، الصغر، الجنون، ضرر العامة، وتلك الأسباب الأربعة تم الاتفاق عليها، واختلف في كون الغفلة 'أي البله'، المدين، السفه؛ من أسباب الحكم بالحجر من عدمه، أما الفسق فليس من أسباب الحجر. ويشير المستشار القانوني إلى أنه في حال ثبوت الدعاوى الكيدية الخاصة بالحجر فإن النظام جعل للقاضي أن يردع المدعي بالعقوبة، التي يراها، فقد نصت المادة الرابعة من نظام المرافعات الشرعية على أن: 'إذا ثبت لناظر القضية أن دعوى المُدعي كيدية؛ حُكم برد الدعوى، وله الحكم بتعزير المُدعي بما يردعه'.. والعقوبة يقدرها القاضي بما يراه رادعًا ومانعًا. ويرجع الشهراني تزايد قضايا الحجر في هذا العصر إلى أن أغلبية الناس أصبحت تنظر إلى المادة البحتة إلا ما رحم ربي، بسبب ضعف الوازع الديني، وقلة الترابط الأسري في كثير من الأسر، أو لكثرة المشكلات والظلم داخلها، مما يدفع بعض الأبناء إلى مراقبة الآباء في أموالهم ومحاسبتهم عليها، حتى ما إذا حانت الفرصة لجأوا إلى دعاوى الحجر، محاولين منع الآباء من التصرف في أموالهم. عقوق الأبناء 'قضايا الحجر ليست بالجديدة، لكنها تنامت مؤخرًا بسبب التغيرات المعيشية، والدافع المادي وراء أغلبها، كخوف الأبناء من تبديد الأب ثروته بالزواج أو بالخرف، فيلجأون للحجر عليه للسيطرة على أمواله'. ووفق ما أكده المحكم القضائي الدكتور أحمد المعبي، لابد من مناصحة الأبناء، وأن يستوصوا خيرا بآبائهم وأن يراعو الله فيهم، لأن هناك قضايا حجر تقام بغرض الاستيلاء على الأموال وعند إثبات العكس تحول إلى قضايا عقوق من قبل الأب ضد الأبناء. الدعاوى الكيدية ويرجع المستشار القانوني راشد العمرو، انتشار مثل تلك الدعاوى في العامين الماضيين إلى التغيرات الحاصلة بالسوق والمنافسة الحامية في القطاعات الاستثمارية كالعقارات أو المالية كالأسهم في البورصة. والقضاء عند ينظر في قضايا الحجر، يفرق بين تلك الدعاوى الهادفة لمصلحة الشخص المحجور عليه وحماية أمواله وممتلكاته، وتلك الدعاوى الكيدية التي تهدف إلى الاستيلاء على أمواله فتلك الأمور ينظر لها القضاء الاعتبار وبدقة شديدة، اعتمادًا على أمرين، الأول هو التقرير الطبي الصادر من مستشفى حكومي، والثاني هو معاينة الشخص نفسه من قبل القاضي من أجل التأكد من مدى انطباق شروط الحجر عليه، التي تطبق في حال وجود مرض كالزهايمر وكثرة النسيان والتصرفات اللاإرادية. ويشير العمرو إلى أن بعض الأشخاص في سن الشيخوخة المتاخرة، كرجال الأعمال يقومون بتصرفات مالية ويوزعون الوكالات، ثم ينسون ما قاموا به فيما بعد، ومن ثم يتدخل الأبناء لحماية إرثهم أو أموالهم، قبل أن يبددها الوالد بسبب نقصان الأهلية وعدم الكفاءة ودخول أمراض العصر، في مقابل بعض الأبناء الذين يلجأون إلى تزوير الأوراق والتقارير الرسمية بغرض الاستيلاء على أموال آبائهم الأسوياء من خلال دعاوى الحجر. وقال: 'يفترض من الناحية الطبية التعجيل في النظر بقضايا الحجر، حيث نجد بعض الجلسات تقام متأخرة على الظهر، ممّا يكون المدعى عليه قد أنهك وذاكرته أنهكت من طول الانتظار على العكس من إقامتها في الصباح الباكر لأن الأطباء يرون أن العقل عند الاستيقاظ يكون في كامل نشاطه وحيويته حينها سيتبين من وجود العلة أو خلوه منها'. الحجر شمل الغني والففقير والمتتبع لقضايا الحجر المرفوعة من قبل الأبناء على آبائهم، يلحظ عدم اقتصارها على فئة الأثرياء، التي تغري أموالهم بعض أولادهم لرفع دعاوى حجر عليهم، بل طالت كذلك أبناء الفقراء الذين لا يملكون من حطام الدنيا إلا النذر اليسير. أبناء رجل أعمال ففي جدة قدم 4 أشقاء وهم أبناء رجل أعمال منذ عامين، طلبًا إلى محكمة جدة بطلب المساعدة في حل مشكلاتهم مع والدهم الذي تورط في تعاطي وإدمان الحشيش المخدر، الأمر الذي جعله يبدد أموالًا طائلة من رصيده. وطالبوا بمثوله أمام المحكمة وإلزامه بالعلاج، وفي حال عدم تجاوبه يحجر على أمواله وممتلكاته، وطلبت المحكمة من الأبناء تقديم كافة طلباتهم مجتمعة ومراعاة اختصاص المحكمة على أن تحال القضية لاحقًا إلى لجنة الصلح لمحاولة الإصلاح بينهم وتقريب وجهات النظر. كما قدم الشقيق الأكبر تعهدًا إلى المحكمة بعلاج والده في أي مكان في العالم شريطة قبوله العلاج بعدما فشلت جهود أسرية في إقناعه. الاستحواذ على المنزل أكدت إحدى السيدات من مكة أن أبنائها رفعوا عليها قضية حجر من أجل الاستحواذ على المنزل الذي قضت فيه أجمل أيام عمرها ونقلوها إلى جدة وأسكنوها في شقة في إحدى العمائر التي تمتلكها بحجة وجودها بالقرب منها بحكم طبيعة عملهم وارتباطاتهم الأسرية. ولم يكتفوا بذلك فحسب، بل اعتبروا ما تقوم به من تبرعات لأوجه الخير مبالغ فيه وإسراف وأن استمرارها على ذلك سوف يفقدها كل ما تملك. وعلى الرغم من أن المحكمة أنصفتها ورفضت الدعوى إلا أنه مازال في حلقها غصة بسبب هذه الحادثة التي أحسست معها أن عمرها الذي أفنيته في تربيتهم ذهب سدى. تحريض الزوجة فيما وجد أحد الآباء نفسه فجأة مطلوبًا في قضية حجر على ممتلكاته رفعها ضده ابنه الأكبر الذي كان يفضله عن بقية إخوته بتحريض من زوجته. وأكد أنه صدم حينما شكك فلذة كبده في قدراته العقلية أمام المحكمة واتهامه بفقدانه الأهلية على إدارة ممتلكاته، قائلا: 'ابني رفع علي دعوى حجر بدعوى فقدان الذاكرة وكثرة النسيان والشيخوخة لتخوفه من قيامي بتضييع أموالي التي لا تتجاوز 100 ألف ريال ومنزلًا شعبيًّا'.