الإنترنت والتّنظيمات الإرهابيّة

باتت وسائل التّواصل الحديثة بتعدّد أنواعها ووسائطها مِن أقدر الأدوات على بسط سيطرتها على أفراد المجتمع بكلّ أطيافه ومستوياته، وعلى هذا فليس؛ بغريبٍ أنْ تتعدّد وسائل اختراق المجتمع وخاصّة من قِبل ما ي سم يعدّد الباحث المختصّ في شبكة الإنترنت الدكتور فايز الشهري في دراسة له بعنوان (التطرّف الإلكتروني: رؤية تحليلية لاستخدامات شبكة الإنترنت في تجنيد الأتباع) العديد من تلك الخصائص بوصفها من أسرع وأنجع وسائل الاتصال الجماهيري انتشارًا وأكثرها تداولًا بين الشباب، كما أنّها وسيلة حرّة دون حواجز رقابيّة بين المرسل والمستقبل، إضافة إلى ما تتميّز به من الخصوصيّة (السريّة) وإقبال الشباب على هذه الوسيلة بشكل كبير؛ فضلا عن انتشار المواقع الفكريّة لرموز الفكر التّكفيري وتواصلها مع زوارها ومعتنقي هذه الأفكار، ولذلك فقد باتت القوائم البريدية التي يشرف عليها مشرفو المواقع الالكترونية تشكّل حلقة الوصل بين معتنقي الأفكار المضلّلة والأتباع الذين بدورهم ينشرون هذا الفكر في دوائرهم الخاصّة. وعطفا على ذلك تُعد شبكة الإنترنت النّافذة الوحيدة التي يطل منها هؤلاء على ملايين الشباب المسلم في كلّ أركان الدنيا، فلا غرابة أن تمتلئ المواقع والمنتديات بخطابهم وفكرهم وتتسيد على ما عداها من أطروحات، وهذا ما جعل Frank J. Cilluffo يعرض تقريرًا أمام الكونجرس عن الإنترنت والجماعات الإسلامية بيّن فيه «أن استخدام شبكة الإنترنت أدى إلى تمكين الشبكات الإرهابية من توسيع دائرة نشاطها خارج حدودها الوطنية وذلك عن طريق نشر الفكر المتطرف، وتكوين العلاقات، وتوسيع شعور الانتماء والهوية، وتعزيز التواصل الاجتماعي مع شريحة أكبر من الناس، ومن ثم تجنيد المزيد من العناصر الإرهابية وتدبير الهجمات، باستخدام وسيلة أسرع وأرخص وأكثر أمنا»، وأضاف قائلًا: «إن الإنترنت هو ساحة القتال الآن والحرب هي حرب فكرية». ولهذا تعمد الجماعات المتطرفة إلى اتباع سلسلة من الإجراءات التي تكفل بقاء المتعاطفين معهم، وبالتّالي استقطاب الأعضاء مِن بين مَن يبدي ميلًا أكبر للمشاركة في نصرة دينه حسب تصورهم، ومن أبرز الإجراءات - حسب الدكتور فايز الشهري - التي أمكن تبينها من خلال ربط الشّباب المتعاطفين بسلسلة إصدارات للمتابعة تستخدم عنصريّ الإثارة والتّشويق، وتوظيف المنامات (الرّؤيا)، وقصص الكرامات بشكلٍ مؤثّر لاستقطاب عقول وعواطف الأنصار والمتعاطفين، ورواية سيرة (أبطال) العمليات بشكلٍ قريب من سير الصحابة والتّابعين مع تبيان معاناتهم من الملاحقة وإضفاء الطّابع الإنساني، وتوظيف الوسائط المتعدّدة والمؤثّرات الفنية في عرض صور وسير رموز الفكر وقادته، وقد ظهرت معظم العمليات ووصايا منفذي حوادث العنف عبر الإنترنت صوتًا وصورة بشكلٍ تبدو معه العناية الفائقة بالإنترنت ودورها. كما تسعى هذه المنظّمات الإرهابيّة إلى تكثيف الفتاوى المؤيّدة للتّوجه أو العمل والسخريّة والعنف الشديد مع المخالفين في الرأي سواء كانوا مجتهدين أو على باطل، وتفنيد الحجج وتسويغ الأعمال العنيفة والرّد الفوري على فتاوى وبيانات علماء الأمّة برسائل وفتاوى وأحيانًا كتب مضادّة بعناوين مثيرة.