الإنترنت والأطروحات المتشدّدة

باتت مواقع التّواصل الاجتماعي بكل أشكلها في غاية الأهميّة من جهة، وفي غاية الخطورة من جهة أخرى، فمن كان يظنّ أنّه محمي من سطوتها فهو غير منصف للحقيقة التأريخية، ومن كان يزعم أنها لا تلامس شيئًا من دواخله فهو مكابر معاند.فهذا الشيخ الفقيه الدكتور محمد المختار الشنقيطي، المعروف بابتعاده عن جلّ هذه الوسائل، وقد تواتر النّقل عن انكبابه نحو تدريس الفقه وإلقاء المحاضرات؛ فضلًا عن انقباضه عن مسائل الجدل العامّة، غير أنّه لم يسلم من انشداهه وتعاطيه مع تلك الوسائل وهو ما صرّح به في حادثة يتيمة حدثت له.. يقول الشيخ: «والله هذه الوسائل أمرها عجيب، جلست مرّة من المرّات على ما يُسمّى بتويتر، واسمه في النّفس منه شيء، وفعلًا جلست بعد صلاة العشاء لأوّل مرّة، حتى فوجئت بالسَّحر، وذهب علي وردي من الليل، مصيبة عظيمة، ما تشعر بشيء، ما تشعر، ومن يعرف هذه الأشياء يعرف هذا».فإذا كان هذا هو حال الشيخ الشنقيطي، فكيف بجيلٍ عريض من الشّبيبة لا يُمسي ولا يصبح إلاّ وهو عاكف على هذه الوسائل حتى أصبحت بخيرها وشرها مرتعًا خصبًا لكلّ شيء؛ ولذلك فليس بالغريب أنّ نجد من العقلاء من تحسّس مخاطر شبكة الإنترنت محذرًا منها منذ منتصف التسعينيات الميلادية خاصّة في أمريكا وأوربا من تحويل شبكة الإنترنت لتصبح أكثر وسائل الاتصال إثارة للقلق الاجتماعي والأمني؛ بل إنّ هناك من صنّف الإنترنت حينها بأنّها أكبر من مجرّد تقنية اتصاليّة حديثة باعتبارها «ظاهرة أمنية» في المقام الأوّل- كما يشير إلى ذلك عضو مجلس الشورى الدكتور فايز الشهري- في بحثه المسوم بـ(التطرّف الإلكتروني: رؤية تحليلية لاستخدامات شبكة الإنترنت في تجنيد الأتباع) بحيث تتطلّب مجهودًا مضاعفًا، ودراسات معمّقة من قبل العلماء لرصد اتّجاهاتها السّلبيّة والتوعيّة بمخاطرها المحتملة.ما يهمنا في هذا السّياق هو تحوّل تلك الشّبكة من أداة نافعة وحيوية إلى مرتع للأطروحات المتشدّدة والأفكار المنحرفة، ووسيلة داعمة لنشطاء الإرهاب، بحيث تجعل من صخب الخطاب وحيويته أداة عاطفيّة قويّة لإقناع الشّباب بسلامة التّوجه، الذي تنتهجه هذه الجماعات في مقابل ضلال المجتمعات الحديثة وانغماسها في الجهل والانقياد الأعمى. يعدد الدكتور الشهري في روقته العديد من خصائص مواقع الفكر المتشدّد على شبكة الإنترنت؛ كالشّكل الفنّي المبدع في التّصميم والحرفيّة الواضحة في تقسيم الموضوعات، وتوفير خدمات تجاوز الحجب للأعضاء، وتسهيل وصول الجديد من المعلومات إليهم، والتحديث المستمرّ للمحتوى، ومواكبة الأحداث، والتعليق عليها وفق وجهة النّظر التي يؤمنون بها، واستقطاب كتّاب أو كُتب وفتاوى لعلماء معتبرين لرفع مستوى الثّقة في الموقع، والتّنسيق العالي بين هذه المواقع لنشر البيانات والخطب والمواد الجديدة، التي يقدّمها أحد قادة التّنظيمات أو مفكريها، وصناعة نجوم لهذه المنتديات ومؤازرتهم سواء من حيث حجم الردود أو تمييز موضوعاتهم عن غيرها، وتوفير المواد السّمعيّة والمرئيّة والكُتب وغيرها من المواد لطالبيها بشكلٍ سريع وفي صور فنيّة محترفة، ورفع الملفات للمواقع المجانية وغير ذلك.وفي الأسبوع المقبل - إن شاء لله- نستعرض أبرز وسائل تجنيد الأتباع والحلول المقترحة.