جامعة برمنغهام .. وهجرة النسخ الخطيّة الأقدم من القرآن الكريم (1-2)
تاريخ النشر: 26 أغسطس 2015 00:52 KSA
في الوقت الذي تنشط فيه التيارات الإرهابية والمتطرفة في عالمنا العربي آخذة على عاتقها تقديم صورة مشوهة عن الإسلام ومبادئه ومقاصده الداعية إلى الرحمة والتسامح والاعتراف بالآخر، وخصوصًا تلك الديانات التوحيدية، والتي أضحى القرآن الكريم كدينٍ خاتمٍ مهيمنًا عليها، وفي هذه الحقبة التي يرسم بعض أتباع هذا الدين - جهلًا وبعدًا عن الطريق السوي - تلك الصورة القاتمة والظلامية والتي تستثمرها للأسف الحركة الصهيونية العنصرية وحركات اليمين المتطرف في المجتمعات الغربية، في ظل هذه الأجواء المفعمة باليأس والحزن، تكشف جامعة برمنغهام Birmingham البريطانية عما يمكن اعتباره برهانًا إلهيًا عن الحقيقة الأزلية لهذا الدّين الخاتم، وذلك بتقديمها معلومات مهمة عن مخطوطة قديمة من القرآن الكريم، ومكتوبة على جلد رقيق مستخلص من حيوان الماعز، وهو ما كان العرب يدوّنون عليه كتاباتهم، ولم تسترعِ هذه الرّقع الموجودة ضمن مخطوطات أخرى تخصّ دراسات الشّرق الاوسط أحدًا من الباحثين بصورة لافتة من قبل، ولعلّ من حرّر هذه المعلومات بصحيفة الديلي تلغراف الأسبوعية 29July- 4august 2015، فيكتوريا وارد Ward، أشار عرضًا لمعلومة مهمة وهي أن هذه النسخة القديمة جدًا من القرآن الكريم هي من مجموعة Mingana، وهو واحد من المستشرقين الذين ترجم لهم المرحوم الدكتور عبدالرحمن بدوي، وأورد اسمه كما يلي: Alphonse Minigana 1881-1937» وأنه في مطلع حياته وتحديدًا في 1907م، نشر كتابه الموسوم «المصادر السريانية»، ثمّ تخلى عن الكنيسة الكاثوليكية، وأنه رحل بعد ذلك إلى انجلترا وعمل في كلية ودبروك Woodbroke College في Selly Oak بالقرب من مدينة برمنغهام البريطانية، وعمل في مكتبة رايلندز بمدينة مانشيستر John Rylands، وبين يدي فهرست مخطوطات رايلندز العربية المطبوع عام 1934م ويذكر القيّم على المكتبة إيّاهاHery Guppy دوره المميّز في وصف مخطوطات جون ريلاندز، مشيرًا إلى أنه ترك مانشيستر عام 1932م، ليلتحق بمكتبة كلية Selly Oak، في جامعة برمنغهام، وذلك عند إنشاء هذه المكتبة وليكون أمينًا لها، وهناك اختلاف بين ما أورده بدوي في ترجمة «منجانا» وبين ما أورده «Guppy» ومرد الخلاف عن تاريخ العمل المكتبي لهذه الشخصية بين جامعتي جون ريلاندز بـ»مانشيستر»، وكلية ودبروك بـ»برمنغهام».. [أنظر: موسوعة المستشرقين، عبدالرحمن بدوي، ط1، 1984م، ص398.].إلا أنّ الباحث في علم الاستشراق «نجيب العقيقي» أورد ترجمة وافية للباحث «الفونس منغانا» ذكر فيها أنه يعد من كبار جامعي المخطوطات العربية والسريانية، وأنّ من آثاره العلمية «دراسة بعض المصاحف الخطية في مكتبة ريلاندز 1914-1915م والمخطوطات العربية والفارسية النادرة في مكتبة ريلاندز «مانشيستر 1921-1922م». [انظر: المستشرقون، ج2، ص111-112، دار المعارف»].. والإضافة المهمة التي زودنا بها «العقيقي» عن هذا الباحث الذي ورد اسمه في المقالة المحررة بصحيفة الديلي تلغراف البريطانية، بأنه - أي «منغانا» - يعد باحثا متخصصًا في المخطوطات العربية وكذلك المصاحف الخطيّة، يضاف إلى ذلك أنه كان على خلاف مع الكنيسة الكاثوليكية والتي تركها كما يذكر الباحث «بدوي» عام 1910م، وربما دفع انفتاحه على الثقافة العربية والإسلامية وأنّ هذا الانفتاح لم يرقْ للكنيسة الكاثوليكية التي كان ينتمي إليها بحكم أن والده كان قسيسًا من قساوسة الكنيسة الكلدانية المتحدة في روما. [انظر: موسوعة المستشرقين ص: 398»]. ونعود للمقالة التي حملت معلومات مفصّلة عن المخطوطة عن المصحف الشريف فنجدها تشير إلى أنّ الباحثين لم يلتفتوا إلى هذه النسخة الموجودة في جامعة برمنغهام على مدى قرن كامل من الزمن، وأنّها نسخة غير مجلّدة، وأنها تعود حسب رواية المحرر Ward إلى القرن السابع الميلادي، ويذهب إلى أكثر من ذلك من حيث تاريخ نسخها فيذكر بأنه تمّ بين 645-668م، ويجدر التوقف عند ما ذكرته المصادر الإنجليزية عن هذا التاريخ وهو القرن السابع الميلادي وذلك للربط بينه وبين تاريخ ولادة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم الذي يذكر الباحث في السيرة النبوية الشيخ محمّد صادق عرجون - رحمه الله - بأنّ تاريخ الولادة الشريفة «حسب أصحاب التوقيفات التاريخية يوافق اليوم المكمل للعشرين من شهر أغسطس سنة 570م بعد ميلاد المسيح عليه السلام». [انظر: محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، منهج ورسالة - بحث وتدقيق، بقلم محمد الصادق عرجون، ط3، 1430هـ - 2009م، ج1، ص102].ومعلوم أنّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم كُلّف بالرسالة عند بلوغه سنّ الأربعين، أي حوالى عام 610م، ومعلوم أنّ العمر النبوي هو 63 عامًا.ونتابع ما أوردته هذه المقالة المهمة والمثيرة، نجد أنّ الكشف عن هذه الأجزاء القديمة يعود لجهود باحثة أكاديمية والتي قامت بدراسة أجزاء من المخطوطة الرِّقية وخلصت في خاتمة دراستها إلى ضرورة مضاعفة البحث بصورة أدق، وهو ما قامت به لاحقًا جامعة اكسفورد Oxford، حيث تمّ فحص الرّق الذي كتب عليه النّص القرآني، وذلك بتقنية الكاربون «Radio Carbon»، وأنّها عملت على إجراء مقاربة زمنية بين تاريخ الأوراق المكتوب عليها النّص القرآني المُنزل، والتاريخ الذي ظهرت فيه الرسالة النبوية الخاتمة فخلصت إلى التطابق إلى حدّ بعيد بين تاريخ الجلد الذي كتبت عليه آيات القرآن الكريم وبين الحقبة التي عاشها الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، والممتدة بين عامي 570-632م وأنّ نظرية التّطابق تلك تصل إلى 95%، وأشرنا سابقًا إلى تاريخ ولادة النّبي صلّى الله عليه وسلّم الذي ذكره الباحث الإسلامي المعروف الشيخ محمّد الصّادق عرجون، هو «570م»، وهو ما يتوافق وبدرجة متكاملة مع التاريخ الذي حدّده الباحث الغربي الذي يحضر لدرجة الدكتوراة.وفي خاتمة هذه المقالة المهمة نجدها تنقل عن البروفيسور ديفيد توماس David Thomas، أستاذ الدراسة الإسلامية، ما معناه أنّ نتيجة التقنية الكربونية والتي انصبت على تاريخ نسخ مجموع هذه الأجزاء القديمة من القرآن الكريم أثمرت - إن صحّ التعبير - إلى نتيجة مفاجئة، وأنّها قامت أيضًا بالكشف عن سر علمي مدهش كان يختبئ بين المجموعات الخطيّة التي تحتضنها الجامعة، وأنّه من خلال هذه الأجزاء القديمة من كتاب الله ووحيه المُنزل، سوف تعيدنا من ناحية تاريخية وفي غضون سنين محدودة إلى الحقبة التي انتشر فيها الدين الإسلامي الحنيف.ولعل القارئ لمثل هذا الاكتشاف لمخطوطة ربّما تكون الأقدم للقرآن الكريم يسأل عن الكيفية التي هاجر بها تراثنا العربي والإسلامي من مواطنه الأصلية واستقرّ منذ زمن في ديار الغرب، وبما أنّ مكتبات المدينة المنوّرة، وفي مقدّمتها عارف حكمت الشّهيرة تعرّضت في حقبة معيّنة لضياع مخطوطات مهمة منها، ومن بينها نسخ مهمة من القرآن الكريم، فإننا سوف نخصّص بإذن الله الحلقة الثانية من هذه الدراسة عن هذا الموضوع، حتى تكتمل الصّورة بجميع أبعادها ودلالاتها.