رجالٌ ورواةٌ في تاريخ المدينة المنوّرة
تاريخ النشر: 21 أكتوبر 2015 01:44 KSA
* بعد نشر الحلقة الثّانية من موضوع «بواعث هجرة التّراث العربي» على صفحات هذا الملحق الأغر؛ تلقيتُ اتّصالًا هاتفيًا من معالي الإنسان المثقّف الدكتور عبدالعزيز خوجة، مُعلّقًا على ما تضمّنه المقال من معلومات عن المكتبات العلمية بالمدينة المنوّرة، وضرورة الحفاظ على هذا التّراث العربي، الذي يعكس ثراء الحضارة العربية والإسلامية، ومساهمتها في البناء الحضاري الإيجابي والعالمي. وقد ختمت ذلك المقال بالإشادة بما قام به الشّيخ الفاضل جعفر فقيه (1320 – 1411هـ)، في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات الهجرية من القرن الماضي، وذلك بضمّ المكتبات الخاصّة ببعض علماء المدينة المنوّرة، إضافة إلى المكتبات التي كانت ملحقة ببعض المدارس والأربطة، التي كانت تقوم حول المسجد النّبويِّ الشّريف، وحملت فيما بعد اسم مكتبة المدينة العامة. ويذكر السيّد علي حافظ، وهو أحد مؤرّخي المدينة المنوّرة في العصر الحديث، أنّ مجموع ما تشتمل عليه المكتبة عندما كان بناؤها يقوم بالجهة الجنوبية للمسجد الشّريف هو (14748) كتابًا؛ بين مخطوط ومطبوع. [أنظر: فصول من تاريخ المدينة المنوّرة، علي حافظ، ط3، 1417هـ - 1996م، ص: 257 -258].* ونشر المؤرّخ «حافظ» بيانًا بموجودات المكتبة العامة من الكتب والمكتبات التي ضُمّت إليها. كما يشيد السيّد عثمان حافظ، أحد مؤسّسي صحيفة المدينة المنوّرة، بدور الشّيخ الفقيه، قائلاً: «ورغم أنّ الأستاذ «فقيه» قد استلم المكتبة عبارة عن مبانٍ ليس فيها كتب تُذكر، أو دواليب لحفظ الكتب؛ إلا أنّه أدارها على خير وجه، وجعل منها مكتبة كُبرى، ذات شأنٍ ونفع كبير للعلماء ولطلاب العلم». [أنظر: صورٌ وذكرياتٌ عن المدينة المنوّرة، عثمان حافظ، مطبوعات نادي المدينة الأدبي، ط1، 1403هـ - 1983م، ص: 22]. وقد كنتُ ومجموعة من الزملاء على عهد النّشأة ببلد المصطفى، صلّى الله عليه وسلّم، نتردّد على تلك المكتبة وغيرها، وخصوصًا في فترة العطلة المدرسيّة الصيفيّة. * وممّا ضُمّ إلى المكتبة من تراث العلمء؛ مكتبة الشّيخ إبراهيم سعد الله الخُتني (1314هـ - 1389هـ)، الذي خصّص شيخنا زكريا بيلا ترجمة وافية له في كتابه «الجواهر الحسان»، حيث ذكر أنّه عند كتابة ترجمته كان يعمل مدرّسًا بمدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنوّرة، القسم العالي، والمدرسة البخاريّة بزقاق سيّدنا مالك، كما كان مدرّسًا بالمدرسة النّظامية للمرحوم الشّيخ محمّد عبدالباقي. [أنظر: الجواهر الحسان في تراجم الفضلاء والأعيان من أساتذة وخلان، تأليف: زكريا بيلا، دراسة وتعليق: عبدالوهّاب أبوسليمان، محمّد إبراهيم علي، 1427هـ - 2006م، ج2، ص: 699 – 703]. وقد أخبرني فضيلة أستاذنا الدكتور عبدالوهّاب أبوسليمان بأنّ شيخنا وشيخ مشايخنا حسن المشّاط – رحمه الله – (1317 - 1399هـ)، طلب منه عند زيارة له للمدينة المنوّرة بأن يلتقي الشيخ الخُتني، وقد فعل، وأنّه أجازه – أي الخُتني – بمروياته، وقد أدرك العبد الفقير إلى الله، الشّيخ الخُتني وهو يدرّس بالمسجد النّبويِّ الشّريف منتصف الثمانينيات الهجرية، وكانت داره بحيِّ العُريضية المعروف آنذاك، والقريب من كلٍّ من: مسجد أبي بكر الصّديق، رضي الله عنه، ومسجد المُصلّى؛ والمعروف بـ»مسجد الغمامة»، وعندما انتقل إلى رحمة الله عام 1389هـ، خرج جمع كبير من النّاس لتشييعه، وقد صلّى عليه صلاة الميّت بالروضة الشّريفة الشّيخ الحافظ حسن الشّاعر، رحمه الله.* وقد ذكر الباحث حمادي علي التّونسي أنّ من المخطوطات التي ضمّتها مجموعة الشّيخ الخُتني مخطوطة من تأليف الشّيخ الخُتني نفسه، تحمل اسم «فتح الرّؤوف ذي المنن في تراجم علماء ختن». [أنظر: المكتبات العامة بالمدينة المنوّرة ماضيها وحاضرها، رسالة ماجستير غير منشورة، إعداد: حمادي على محمّد التّونسي، إشراف: الأستاذ الدكتور عبّاس طاشكندي، كلية الآداب بجامعة الملك عبدالعزيز، 1401هـ - 1981م، ص: 31].* ومن المكتبات الخاصّة التي ضمّتها مكتبة المدينة العامة؛ مكتبة الصّافي، وهي مكتبة وقفيّة، وقفها السيّد صافي عبدالرحمن الجفري العلوي، وكان ذلك في عام 1337هـ - 1918م، وقد اطّلعت شخصيًّا أثناء إعدادي لرسالة الدكتوراة عن أدب المدينة المنوّرة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، على نسخة خطّية كاملة من ديوان السيّد جعفر بن محمّد البيتي من مجموعة «الصّافي» رقم (104)، وهي أفضل النّسخ التي حصلت عليها من هذا الدّيوان، الذي لا يزال ينتظر همّة الباحثين لتحقيقه والإلمام بهذه الحقبة الهامة في تاريخ المدينة المنوّرة العلمي والأدبي، علمًا بأنّ بقيّة النّسخ توجد في مكتبات عارف حكمت، قسم الأدب رقم (169)، وطوبقبوسراي، مجموعة المدينة رقم (541)، ونسخة مكتبة السيّد عبيد مدني، وقد نُسخت سنة 1185هـ، ونسخة مكتبة المتحف العراقي ببغداد، كما تحتوي المكتبة نفسها كذلك على نسخة قد تكون وحيدة من رسالة ألّفها عمر بن السيّد علي السمهودي، لا يتجاوز عدد صفحاتها خمس عشرة صفحة، تحمل اسم «ذيل الانتصار لسيّد الأبرار»، وقد عاش المؤلّف الذي ينتسب لأسرة عُرفت باهتماماتها العلمية والتاريخية في حقبة الثاني عشر الهجري (1085 – 1158هـ)، وهي حقبة عانى فيها المجتمع آنذاك من انقسامات وفتن عديدة. [أنظر: المدينة المنوّرة بين الأدب والتاريخ، د. عاصم حمدان، ط2، 1435هـ - 2013مـ، ص: 123 – 128].* كما أنّ المكتبة العامة ضمّت أيضًا مجموعة الشّيخ عمر حمدان المحرسي التّونسي ثمّ المدني (1292 -1368هـ)، كما ورد اسمه في ثبت شهادات مخطوط يتضمّن مرويات الشّيخ المحرسي، وإجازة لبعض طلبة العلم في تونس، ومن مدينة «تبسة» تحديدًا، وتاريخ الإجازة كما هو مذيّل في يوم 15 رجب سنة 1339هـ. ويذكر الباحث محمود سعيد بن محمّد ممدوح، أنّ الشّيخ المحرسي وُلد بمحرس سنة 1392هـ، وعندما بلغ الحادية عشرة سنة 1313هـ، رحل بمعية والده إلى المدينة المنوّرة، وأنّه درّس في الحرم المدني الشّريف، وفي بيته بالمدينة المنوّرة، وكذلك في الحرم المكّي الشّريف، والمدرسة الصّولتية والفلاح سنة 1343هـ، ولٌقّب بمحدّث الحرمين الشّريفين. [أنظر: إتحاف الإخوان باختصار مطمح الوجدان في أسانيد الشّيخ عمر حمدان، دائر البصائر، ط2، 1406هـ - 1985م، ص: 257 – 261].* إلا أنّ الشّيخ عمر عبدالجبّار يختلف مع الرّواية السّابقة، ويرى بأنّ تاريخ هجرته إلى المدينة المنوّرة كان في عام 1303هـ. [أنظر: سير وتراجم بعض علمائنا في القرن الرابع عشر للهجرة، تأليف: عمر عبدالجبّار، ط2، 1385هـ، ص: 230 – 234].* وقد ألّف الزّميل الأستاذ رضا بن محمّد صفيَّ الدين السّنوسي كتابًا علميًّا خاصًّا عن حياة الشّيخ المحرسي، وذكر أنّ الشّيخ كان على معرفة كبيرة بالكتب المخطوطة والمطبوعة، وأحيانًا يستنسخ الكتب لمشايخه وأصحابه من مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنوّرة. [أنظر: محدّث الحرمين عمر بن حمدان بن عمر المحرسي المكيِّ المدني، تأليف: د. رضا بن محمّد صفيّ الدين السّنوسي، ط1، 1425هـ - 2004م، ص: 65].* وقد حدّثني معالي السيّد أحمد زكي يماني بأنّ شيخه حسن المشّاط – رحمه الله - طلب منه أثناء تلقيه العلم الشّرعي في المسجد الحرام بأن يقصد حلقة الشّيخ المحرسي ليجيزه في بعض مروياته ذات السند العالي، ومنها حديث: «إنّما الأعمال بالنّيات، وإنّما لكلّ امرئ ما نوى»، وكان ذلك في الستينيات الهجرية من القرن الماضي، وهذا الحديث من الأحاديث التي رواها الشّيخان عن سيّدنا عمر بن الخطّاب، رضي الله عنه، وكذلك رواه أصحاب كتب الحديث المعتمدة. [أنظر: كشفُ الخفاء ومُزيلُ الإلباس عمّا اشتهر من الأحاديث على ألسنة النّاس، تأليف: إسماعيل العجلوني، ط3، ج1، ص:10].* ويذكر الباحث حمّادي التّونسي بأنّ من تلاميذ الشّيخ المحرسي جملة من علماء الحرمين الشّريفين، مثل المشايخ: علوي المالكي، وحسن مشّاط، ومحمّد أمين كتبي الحسني، ومحمّد بن مانع، وسواهم، عليهم رحمة الله أجمعين.* ويروي عنه أيضًا تلميذه وربيبه أستاذنا المُحدّث والباحث محمّد حميدة – شافاه الله -، والذي حدّثني أنّ الشّيخ المحرسي لم يكن يأخذ ببعض آراء المذهب المالكي، وخصوصًا في مسألة الإسبال في الصّلاة، وله مناظرات في هذا الباب مع الشّيخ محمّد علي بن حسين المالكي (1287 – 1368هـ)، وينعته الكتّاني بالفقيه المحدّث العالم العامل الرّحال أبي حفص عمر بن حمدان المحرسي المدني المدرّس بالحرم المكّي. [أنظر: فهرس الفهارس والإثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات، تأليف: عبدالحي الكتّاني، دار المغرب الإسلامي، ج2، 1167هـ].* وفي الختام؛ هذه تتمة لما كنتُ بصدد الحديث عنه بداية عن دور الشّيخ جعفر فقيه في تأسيس المكتبة العامة بالمدينة المنوّرة، سنة 1380هـ - 1960م، ودور المؤرّخ والأديب السيّد عبيد بن عبدالله مدني في إنشاء مكتبة الحرم المدني الشّريف سنة 1352هـ - 1923م، عند قيامه بالعمل مديرًا لأوقاف المدينة المنوّرة. ولعلّ مكتبته التي تضمّ حوالى (7000) كتاب مطبوع، وحوالى (400) مخطوطة – كما حدّثني بذلك ابنه معالي السيّد غازي عبيد مدني – تستقرّ أخيرًا، وبعد رحلة طويلة، في أحضان مجمع المكتبات الوقفية، وهو من المشروعات التي دشّنها خادم الحرمين الشّريفين – حفظه الله -، عند زيارته للمدينة المنوّرة في شهر رمضان من العام المنصرم، ويحظى هذا المشروع الهام برعاية صاحب السّمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان، أمير منطقة المدينة المنوّرة. وإنّ ذلك يأتي – بلا شكّ – من اهتمامات سموّه بالحفاظ على السّمات العلمية والحضارية لعاصمة الإسلام الأولى، والتي انطلقت منها حضارة العقل والرّوح، والتي تحثُّ في مقاصدها وتشريعاتها على المنهج الوسطي والمعتدل والمعترف والمقرّ بالآخر، وأنّ ما يقوم به البعض من مثل تلك الحركات المتطرفة، التي تعبث بالتّراث العربي والإسلامي وتراث الأمم الأخرى من حرق وتدمير وإزالة؛ إنّما هو أبعد ما يكون عن جوهر الدّين الإسلامي، وممّا يستوجب معه التّحذير منه بكلّ السُّبل والوسائل الممكنة. والله وليُّ التّوفيق.