المربّي عبدالوهّاب زمان.. صوت تعطّر بالذكر الحكيم في رحاب الجوار
تاريخ النشر: 30 ديسمبر 2015 00:23 KSA
* تفتّحت أعين فتيان البلدة الطّاهرة على وجوه كريمة تحفظ القرآن وترتّله، وأصوات ندية ترفع الأذان من منائر المسجد الطّاهر، وكان بعضهم مثل الأستاذ عبدالستّار بخاري، أحد أشهر المؤذّنين والحفظة لكتاب الله معًا في الحقبة الماضية، إضافة لروايته للشّعر، ولا أكون مبالغًا إذا ما ذكرت أن «الريّس عبدالستّار» كما كان يحلو للنّاس في تلك الحقبة أن ينعتوا المؤذّن بـ»الريّس»، نسبة إلى المنارة الرئيسة الواقعة بالقرب من القبة الخضراء؛ حيث مثوى سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصاحبيه رضي الله عنهما. نعم.. إنّه ليس من باب المبالغة أو الأسطورة إذا ما زعمت أنّ أستاذنا عبدالستّار كان يحفظ الكثير من روايات كتاب «الأغاني» لأبي فرج الأصفهاني، أحد أشهر كتب الأدب العربي في العصور الأولى للحضارة العربية والإسلامية. كما اشتهرت شخصية الشيخ حسن الشّاعر، الذي قرأ عليه القرآن بعض أئمة الحرم النّبوي الشّريف، مثل فضيلة الشّيخ عبدالعزيز بن صالح، ومن بعده الشّيخ إبراهيم الأخضر القيّم، والذي أفاد هو الآخر من ملازمته للأستاذ عبدالستّار بخاري. * وكان شباب تلك الحقبة من الزّمن الجميل يتسارعون لحفظ القرآن الكريم، حتّى إذا ما حلَّ شهر رمضان المبارك فإنّ أولئك الفتية يؤمّون كبار السنِّ من الحفظة وسواهم تشجيعًا لهم في هذا المسلك الربّاني، وتزدحم حصوات المسجد الطّاهر بتلك الجماعات آنذاك، التي تبدأ صلواتها بعد انتهاء صلاة التراويح الرّسمية من محراب المسجد. وكان الأستاذ والمربّي القدير عبدالوهّاب زمان - رحمه الله -، والذي رحل أخيرًا عن دنيانا وضمه الثّرى الطّاهر في بقيع الغرقد، حيث يرقد آل بيت النّبي صلّى الله عليه وسّلم وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين والتّابعين، لقد كان ذلك الزّمان الطيّب من أولئك الفتية الذين يقضون ليالي الشّهر الكريم في مدارسة القرآن، وتجويده، وكان من أشهر الحفّاظ الذين يأتمُّ النّاس بهم المشايخ: عباّس القّاري وهاشم شقرون، وصدّيق محمد حسين رمزي الميمني وسواهم. كما كان طلاب العلم يتزاحمون على حلقة شيخ القرّاء حسن الشّاعر - رحمهم الله أجمعين -. وكان مما وهبه الله أنه كان يستمع لعدد من الحفظة في وقت واحد، وقد شاهدت ذلك شخصيًا عندما كنت مع بعض الإخوة ندخل الحرم النّبوي من خوخة سيّدنا أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، ونتّجه صوب الصُفّة؛ حيث يجلس أغوات المسجد بملابسهم المتميزة والبهيّة في آن، وقد كان بعضهم من أهل العلم مثل خليل أغا، الذي بنى المسجد المعروف في حيِّ قباء، ولا يزال قائمًا إلى وقتنا الحاضر. وقد أخبرني السيّد مصطفى العلوي - رحمه الله - بأنّ خليل إنّما كان يطلب منه أن يستمع إلى قراءته وتجويده، وذلك لمعرفة السيّد العلوي بعلم القراءات.* رأيت المرحوم عبدالوهّاب زمان في قاعات الدرس بمدرسة العلوم الشرعية، وكان قد سبقنا للفصول العليا، واخاله كان زميلًا لبعض إخوتي الكرام. وكان - رحمه الله - منذ نشأته وديعًا ومهذبًا في حديثه، فلقد انعكست على نفسه بركات وأنوار كتاب الله، وتبدّت في سلوكه الإنساني إزاء الآخرين. وقد جمعتني به مناسبات عائلية قبل سنوات قليلة في طيبة الطّيبة، وكنت مستغرقًا في التفكير، فإذا بهذا الإنسان الذي امتلأت نفسه بحبِّ الآخرين وودادهم يسير متَّجهًا إلى المكان الذي أجلس فيه، ويسألني بلطف عمّا يشغلني، وكانت كلماته الصادقة وابتسامته المعبّرة عن نفس مطمئنة كافية بإدخال السّرور على نفسي. ولعلّه سألني في ذلك اللّقاء: متى سوف تعود إلى المدينة بعد هذا التطواف؟ ورددت عليه وفي النّفس غُصّة مردّها الحنين إلى تربة البلدة الطّاهرة: سوف أعود بإذن الله. ترى يا عزيزي عبدالوهّاب متى يسمح الزّمان بوصل أو متى نحظى بمقام القرب حيث النّور والبهاء والجلال، حيث تحلّق الرّوح في مدارات الشّوق وفضاءاته النيّرة في زمن تطغى فيه الماديات، وتفتح معها أبواب الفتن، حتّى أضحى دم المسلم مستباحًا من القريب والبعيد على حدٍّ سواء، وكأنّ بني قومنا لم يسمعوا ويعوا خطبة الحبيب صلّى الله عليه وسلّم الجامعة والمعجزة في مضمونها وأسلوبها في حجّة الوداع حيث قال محذّرًا ممّا تشهده الأمة اليوم: «إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا نعم: قال اللّهمَّ اشهد، فيبلّغ الشّاهد الغائب، فربَّ مبلّغٍ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض».. بأبي أنت وأمي يا سيّدنا يا رسول الله. إنّنا ذلك الغائب الذي يشهد أنّك بلّغت الأمانة، وأدّيت الرّسالة، ونصحت الأمّة. فجزاك الله خيرًا عن أمّة الإسلام بأعظم ما جازى به نبيًّا ورسولًا عن أمّته، وعن قومه.