نقد التّراث: القداسة المصْطنعة

ثمَّة العديد من المشروعات النقديَّة المعاصرة تسعى للتّعاطي مع التّراث وتقويمه، وتطالب في الآن بنقده، وإعادة مراجعته بوصفها أحد المخرجات من الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالأمَّة العربيَّة والإسلاميَّة، وخلاصًا لها من السَّقطات المتتالية التي مرَّت بها في شؤونها الفكريَّة. ومع تفهمي أنَّ ثمَّة العديد من المشروعات القرائيَّة والنقديَّة الممنهجة للتُّراث العربي والإسلامي؛ إلاَّ أنَّها في واقع الحال قليلة حدَّ النُّدرة، غير أنَّ تلك المشروعات مع قلِّتها وندرتها تُعتبر ذات قيمة علميَّة ومرجعيَّة رافدة تستحق الإشادة، إذ يكفيها أنَّها كسرت الأغلال القدسيَّة لذات التّراث؛ فضلاً عن أنَّها أباحت للعقل النَّاقد متَّسعًا من التَّحرُّر من غلياء القداسة، وأسقطت عن كاهل التُّراث والمتعاطي معه تلك القدسيَّة المصطنعة التي أثقلته. فمنذ أكثر من أربعة عقود تقريبًا بدأ المفكر محمد أركون -مثلاً- في إطلاق مشروعه (نقد العقل الإسلامي)، حيث خلص إلى أنَّ مفتاح إدخال الحداثة بمفهومها الواسع هو نقد العقل الإسلامي= التّراث، مؤكدًا أنَّ العقل الإسلامي عقلٌ تاريخيٌّ له نقطة تشكُّل، وبداية ونهاية. مشدِّدًا في ذات السياق على أنَّ تحديث العقل الإسلامي يقتضي أولاً، وقبل كلِّ شيء استقلاليَّة هذا العقل، وقبوله بنقد معارفه بعيدًا عن الدوغمائيَّة، والنَّظرة الأرثوذكسيَّة التي عرفها الفكر الإسلامي في غالبية فترات تأريخه.وإذا كان محمد أركون من أوائل النَّاقدين للعقل الإسلامي وصاحب مشروع ذي علاقة اتِّصاليَّة كاملة به نقدًا وجراء، فلسنا ببعيدين عن صاحب كتاب (التُّراث والتَّجديد) المفكر حسن حنفي إذ إنَّه كذلك، صاحب مشروع لا يقلُّ أهميَّة عن مشروع أركون، مع التسليم بوقوعه في العبثيَّة والخطأ، وهو ما جعل من خصومه وهو بالكثرة بمكان يكيلون عليه ألوان السِّباب والتَّهكم والسُّخرة.في كتاب (مواقف نقديَّة من التُّراث) هناك بضعة أسطر تستحق الاقتباس للمفكر الكبير محمود أمين عالم يمكن ختم هذا المقال بها، حيث يقول: «فيما يتعلق بالموقف من تراثنا القديم، فلا ينبغي أن نقف موقف الرَّفض، أو الاستهانة أو الاستخفاف، ولا موقف التَّقديس والتَّقليد الأعمى، ولا موقف الانتقائيَّة والتجزئة والنفعيَّة، ولا ينبغي أن يكون موقفًا من مضمون دون شكل، أو أشكال دون مضمون التُّراث كلّه بكل ما فيه، من مدارس مختلفة، متصارعة، عقلانيَّة أو لا عقلانيَّة، هو تراثي الثقافي، يستوي في هذا الخوارج، والأشاعرة، والمعتزلة، والصابئة، والشيعة، والمتصوِّفة، وما شئت من مللٍ ونحلٍ ومذاهبَ واتِّجاهاتٍ أدبيَّةٍ، أو فنيَّةٍ، أو علميَّةٍ، أو إداريَّةٍ. أنا لا أختار، ولا أنتقي؛ وإنَّما أستوعب التُّراث كلّه استيعابًا نقديًّا في إطار واقعه التَّاريخي الاجتماعي الخاص، الاستيعاب النقدي ليس انتقاء فحسب، أو تقييمًا لجانب منه على حساب جانب؛ وإنَّما هو إدراك ووعي موضوعي لحقيقة التُّراث في ملابساته الموضوعيَّة التّاريخيَّة (....)؛ الاستيعاب العقلي النقدي العلمي التّاريخي بهذا التُّراث في جوانبه المختلفة، وحركته المتنوِّعة هو الموقف الصحيح من التُّراث».