«الرؤية السعودية 2030»: المفصل التأريخي واللحظة المؤرّخة

تتقاسم رؤى بعض المفكّرين والأدباء وكذا الشّعراء؛ فضلًا عن المهتمين بصناعة القرار مفهوم «الرؤية»، وذلك عطفًا على تعدّد مفاهيمها خاصّة عند المعنيين بالدراسات الإنسانية، واللسانية، والأدبية، والنقدية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية، والإعلامية، وغيرها..ومع هذا، فلستُ، معنيًا كثيرًا في هذا السّياق بتتبّع مفهوم الرؤية عند ذاك الفصيل أو هذا، بالقدر الذي أسعى فيه لبيان المعنى العام للرؤية، أيّ رؤية فاعلة بعيدًا عن تلك الصّورة النمطيّة أو المستهلكة.إنّ مفهوم الرؤية في أبسط معنى لها لا يكاد يخرج عن كونه موقفًا إنسانيًّا من الحياة بمفهوم الحياة الواسع، وذلك من خلال تقديم معادل لها يصحّ اختباره، كما يصحّ قياسه بناء على معطيات متجانسة تتعاطى مع الحاضر بوعي مثاليّ قادر، وتستبصر معطيات المستقبل وتختبر تحدّياته وتحوّلاته.إنّ الرؤية، بعبارة أخرى، صورة، أو نظرة إلى العالم المحيط، تستقي معادلها من فَهْم العالم، خاصّة فيما يتّصل بمصير حاضر الإنسان ومستقبله، تُخْتبر بشيءٍ من العقلانيّة، والتّطلعات الفكريّة، والدّراسات العلميّة؛ لتصب في نهاية المسراب في صالح مستقبل الكيان الإنساني؛ وفقًا لمعادلة الواقع بإمكاناته، واستشراف المستقبل بمقدراته ضمن السّياق الحضاري، تبعًا لما يُطرح في هذه الرؤية أو تلك من تطلعات مستقبليّة.إنّ الرؤية رسالة؛ ولكنّها رسالة فاعلة تأخذ فاعليتها من نوعٍ خاصّ، تسعى لبلورة نظرة صانعيها حول محصل ما بحيث تكون شاملة ومدروسة، تقدّم ضمن إطار ينماز بالوعي والدينامكيّة والتحرّك، عطفًا على ما يستجدّ من أحداث ومواقف، بوصفها استجابة حيّة لمعطيات العصر وضروبه.وعطفًا على ذلك المهاد؛ فإنّ «الرؤية السعودية 2030» لم تكن بمعزل عن تلك الأسطر السّابقة؛ نظرًا لما تضمّنته من رؤى فكريّة عميقة، تستدعي البعد السياسيّ، والاقتصاديّ، والثقافيّ، والتعليميّ؛ سعيًا نحو استجلاءات مستقبليّة هادفة تنبش في بساط الأرض عن مكنوناته وقدراته وثرواته؛ خدمةً لأبناء هذا الوطن بكل أطيافه ومستوياته، وتدفع حتمًا بالوطن نحو مستقبل أكثر قوّة، وأبعد شوطًا، وأعمق شأوًا خاصّة في ظل تحولات تترى، فضلًا عن العديد من التحدّيات والإرهاصات سواء على المستوى المحلي، أو الإقليمي، أو الدولي، أو العالمي.لقد حملت «الرؤية السعودية 2030» الكثير، والكثير جدًّا، من الأفكار والتّطلعات، ستثبت - بإذن الله- نجاعتها في المنظورين القريب والبعيد، فهي ليست أحلامًا تتزيّا برداء الاستهلاك الإعلامي، أو تتغذى بتلك الصّورة النمطيّة الاستهلاكيّة التي سرعان ما يعتورها الذّبول والذّوبان؛ ولكنّها رؤية صانعة تضطلع نحو بناء الإنسان السعودي بناءً حضاريًّا، من خلال الاهتمام بالحرث في بساط أرضه، بعيدًا عن الارتهان للتّخمينات الهلاميّة، والرؤى المرتجلة، والحسابات المرتبكة.إنّ أبرز ما تنماز به «الرؤية السعودية 2030» السّعي نحو التحوّل من العمل المرتبك، إلى العمل المنظّم، ومن الفردي والعشوائي إلى العمل المؤسّسي المنضبط؛ ليشمل جميع الوزارات والقطاعات الحكوميّة، بحيث يتحوّل العمل فيها، رهنا للمكاشفة والشفافيّة والمحاسبة؛ بعيدًا عن الارتهان لقرارات هذا المسؤول أو ذاك، وهذا ما يلاحظ -على سبيل التمثيل لا الحصر- تصنيف ثلاث مدن سعودية من بين أفضل المدن عالميّة؛ فضلًا عن الارتقاء بمؤشّر رأس المال الاجتماعي من المرتبة 26 إلى المرتبة العاشرة، هذا، إضافةً إلى رفع إسهام المنشآت الصّغيرة والمتوسّطة من 20% إلى 35%، ورفع حجم الاقتصاد السعودي وانتقاله من المرتبة التاسعة عشر إلى المرتبة الخامسة عشر عالميًّا، خلافًا لرفع قيمة وأصول صندوق الاستثمارات العامّة إلى ما يزيد عن سبعة ترليونات ريال.إنّنا أمام مفصل تأريخي، ولحظة زمنيّة مؤرّخة بها نرسم معالم أمّة سعودية متجدّدة، تشمل بساط الأرض كلّها، وتهيمن على خلايا الإنسان، أمّة سعوديّة تستنطق المستقبل بوعي مرهون بوعاء حضاري متقدّم، في ظلّ قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان - حفظه الله -، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي ولي العهد.