تأثير الأدب العربي على الأدب الإنجليزي من شعر المعلّقات إلى قصص ألف ليلة وليلة
تاريخ النشر: 11 مايو 2016 02:15 KSA
* يبدو أنّ الشّعر العربي الجاهلي قد جذب أنظار العديد من الشّخصيات الاستشراقية؛ فلقد ذكرنا في دراسة سابقة أنّ من أبرز أعمال المستشرق البريطاني ويليام جونز (William Jones) [1746 – 1794م]، هو ترجمته للمعلّقات السّبع، وقد ظهرت هذه الترجمة سنة 1782م بعنوان «Muallakat»، وهي تحتوي على النّص العربي للمعلّقات مكتوبًا بحروف لاتينية، مع ترجمة إلى الإنجليزية، وشرح مفصّل. [عن هذه الشخصية الاستشراقية انظر: موسوعة المستشرقين، د. عبدالرحمن بدوي، بيروت، ط1، 1984، ص: 129 – 131].* وتحتوي مكتبتي الخاصّة على ترجمة أخرى للمعلّقات بعنوان «السّبع المعلّقات»، والعبارة الأخيرة؛ أي المعلّقات، وضع لها مترجمها عبارة تفسيرية بالإنجليزية هي: Suspended In The Temple At Mecca، أي: المعلّقة في الكعبة. والمترجم كما ورد اسمه هو Capt. F. E. Johnson، بمقدمة كتبها Shaikh Faizulla Bahai، مع تعريف موجز عنه أنّه زميل في جامعة بومباي Bombay، وأنّ له مؤلّفًا يحمل اسم Moslem Present، أي «حاضر المسلمين». ويعود طبع هذ الترجمة، والتي قام بها جونسون إلى عام 1894م، وتقع في حوالى (236) صفحة. وفي الصفحة الأخيرة من الترجمة نجد عبارة تشير إلى أنّ هذا الكتاب تمّ الانتهاء من ترجمته في التاسع من شهر يوليو (July) عام تسعين وثمانمئة وألف من ميلاد المسيح (1890م).* ولابد من الإشارة إلى أنّ مقدمة الترجمة كانت في عشر صفحات، ونجد في ترجمة المعلقة الأولى لأمرئ القيس توضيحًا مفصّلاً عن البحر الذي صيغت به القصيدة، وهو الضرب الثاني من العروض الأول من الطويل، إضافة إلى شرح لألفاظ أبيات هذه المعلقة، ويستمر المترجم في عملية تحديد البحر الموسيقي لكلّ معلّقة من المعلّقات، وكذلك في عملية الشرح لألفاظ الأبيات مما يعطي انطباعًا بأنّ الترجمة قد خصصت للطلاب الراغبين في تعلّم اللغة العربية، وهو الأمر الذي وردت الإشارة إليه في التصدير الذي اشتملت عليه الصفحة الأولى من هذه الترجمة، وأخذ مسمّى «Preface»، أي التصدير.* لقد أخذتنا قضية ترجمة المعلّقات السّبع إلى الإنجليزية، ممّا يوضح تفاعل الآداب الغربية، وفي مقدّمتها الأدب الإنجليزي، مع الأدب العربي القديم. ويبدو أنّ ذلك الأدب – أي الجاهلي – قد أنشئ في بيئة مختلفة كلّيًا عن البيئة الغربية، إضافة إلى أنّه يعكس حقيقة الحياة العربية في الحقبة الجاهلية التي سبقت ظهور الدين الإسلامي الخاتم، وهي القضية التي كانت مثار نقاش طويل بعد أن نشر طه حسين كتابه عن الأدب الجاهي، وما رافقه من ضجّة؛ حيث خالفه في الطّرح أدباء من أمثال: مصطفى صادق الرّافعي، ومحمود شاكر، وسواهم. أقول لقد أخذتنا هذه القضية المحورية قليلاً عن ورقة المستعرب الإنجليزي كليفورد إيدموند بوزورث (Bosworth) [1928 – 2015م]، عن «تأثير الأدب العربي في الأدب الإنجليزي The Influence Of Arabic Literature On English Literature»؛ حيث يذكر في الجزء الأخير من ورقته تلك أنّه من الأعمال المميزة التي نقلت صورة كبيرة وواضحة عن الأجواء العامة للحياة في العصور الوسطى في البلاد العربية، العمل الذي ألّفه جيمس إليروي فليكر James Flecker [1884 – 1915م]، ويحكي وصفه بأنّه عمل مميز. وكان فليكر منخرطًا في بداية حياته في العمل الدبلوماسي في استانبول وبيروت، ودرس اللغات التي تصنّف على أنّها لغات إسلامية؛ وهي: العربية، والفارسية، والتركية، في جامعة كيمبردج Cambridge، تحت إشراف البروفييسور إدوارد براون Edward Brown [1862 – 1926م]، وقد كتب فليكر عددًا من القصائد التي تضمّنت ملامح إسلامية، مثل: أبواب دمشق، وأغنية إسكندر «ballad»، وأصدر بعد ذلك أعمالاً تعدُّ من أبرز الأعمال التي تأثرت بالأدب العربي والإسلامي؛ حيث ألّف مسرحية مستوحاة من الحقبة العبّاسية في عصر الخليفة هارون الرّشيد، ووزيره جعفر البرمكي، وقد مُثّلت بعد ذلك في لندن عام 1923م، وقد حملت هذه المسرحية اسمًا عربيًا وهو «حسن»، وتحكي شخصية رجل عجوز كان يعيش في بغداد، ولقد اُعتبرت مسرحية فليكر من قبل بعض الدّارسين كآخر عمل أدبي متأثر بالحياة العربية الشّرقية، وذلك قبل دخول السياسة وما رافقها من صناعة النّفط كعامل اقتصادي هام في الحياة الشّرقية؛ حيث تقلّصت مظاهر الحياة الشّرقية السّابقة كثيرًا. ويلمّح الباحث بوزورث (Bosworth) كذلك إلى تأثّر أعمال فليكر بقصص ألف ليلة وليلة العربية، وهذه القصص كانت عنصرًا جاذبًا للأدباء الغربيين، ومُحفّزًا لهم على استكشاف هذا العالم؛ حيث توجّه الرحّالة الغربيون إلى حواضر هذا العالم. ولقد كان بعضهم مدفوعًا ببواعث سياسة والبعض الآخر مدفوعًا برغبات ذاتية محضة، حيث البحث عن نمط الحياة المختلف عن النمط الغربي، والذي تأخذ الحياة فيه أبعادًا مادية محضة.