«العقل العربي» في مرآة الصوياني
تاريخ النشر: 26 أغسطس 2016 03:17 KSA
مهما كان الموقف من بعض الكتابات التي تتناول «العقل العربي»، وإشكاليّة التّعاطي معه، إلاّ أنّها تظلّ في المجمل كتابات ذات قيمة تبرهن على محاولة كسر نسقية السّائد والاجترار، وفتْق القائم بسطوة أحادية الرؤية، نمطية الطّرح.إنّ إشكاليّة التّعاطي مع «العقل العربي» ومحاولة قراءته لا تنبع في المقام الأوّل من ذات العقل العربي؛ ولكنّها تنبع في الأساس من المنهج والطّريقة التي يتمّ بها قراءته والتّعاطي معه؛ لأنّ أغلب من تعاطى معه بات، إما مأسورًا بمعطيات أيدلوجية، وإمّا بأحكام مسبقة، أو هما عما. إنّ محاولة استهداف الكتابة عن «العقل العربي» في مجملها -كما هو معلن- تكمن في الوصول إلى فرز دقيق لما يمكن تسميته بنقاط الإعاقة والإشكال، والتي تحوّل ما بين العقل والتّعاطي مع الحداثة في كلّ مستوياتها، ومن ثمّ معالجتها والتّعامل معها تعاملًا يفضي إلى اختراقها وتجاوزها، وتحويلها من معيقٍ إلى جسر عبور نحو المستقبل، مع الاحتفاظ بنقاط القوّة التي لا تزال قابلة للتّفاعل مع الحديث، والأحدث؛ حاضرًا ومستقبلًا.لكن المعضلة في التّعاطي مع العقل العربي ليس فيما يعلن، ولا فيما ينظر له؛ بل في كون تلك الدّراسات الضّخمة نفسها تشكّل العائق الأكبر، حسب تعبير المفكر السعودي محمد الصوياني في كتابه (العقل العربي: المسكوت عنه واللا مفكر فيه في مقاربات العقل العربي).يحاول الصوياني في كتابه تقسيم أشكال التّعاطي مع العقل العربي من خلال ما هو منجز من قِبل بعض المفكّرين العرب؛ كـ»محمد عابد الجابري»، و»محمد أركون»، و»جورج طرابيشي»، وأخيرًا «أودنيس». وفي حال استبعاد الهامشي والخواطري والإنشائي من تلك الكتابات يمكن فرز وتصنيف الأبرز منها إلى قسمين:فهناك ما أسماه الصوياني بالطّرح الجادّ الرّزين والعميق؛ ولكنّه يظلّ في الأطراف، بحيث يظلّ في تعاطيه مع السّطح وتهيّبه من الأعماق بعيدًا عن كلّ ما يشير به من مشروعات، نظرًا لأن عمقه لم يكن يمارس فيما يفترض أن يمارس فيه، على اعتبار أنّ تلك الجهود المضنية بذرت في تربة غير مناسبة لها، ولذا كان حصادها هامشيًّا، ويتمثّل هذا الطّرح أكثر ما يتمثّل في نموذج محمد عابد الجابري.في مقابل كتابات أخرى تصدّى لها فريقٌ يعي تمامًا أنّ عمل الفريق الأوّل لن يأتي بطائل، طالما ظلّ على السّطح، وفي الأطراف، لذا قرّر الولوج إلى عمق العقل العربي، وهي كتابة مصيبة كلّ الإصابة في وعيها، إلاّ أنّ الوعي وحده لا يكفي، فقرّر استخدام مجسمات إسفنجية لتلك الأدوات؛ لأنّه لم يجد غيرها ممّا جعل مهمّة هذا الفريق انتحاريّة أقرب منها إلى اكتشاف العمقي الجادّ، وهذا الفريق يتصدّره محمد أركون.وما بين الطّرفين تأتي دراسات «المواقف» الهلاميّة بعموميات وطرح عاطفي غير متماسك ولا منضبط، ونتف هنا وهناك، وكتابات إنشائيّة توظّف السّاحر والمدهش اللغوي لتمرير الإيديولوجي، وأبرز من يمثّل هذا التّيار «أودنيس»، أو مناكفة وملاحقة تتّخذ المواقف الشخصيّة منطلقًا لها ككتابات «طرابيشي»، أو كتابات لا خطام لها ولا زمام وكأنّ صاحبها لا يدرك ما يكتبه ككتابات «علي حرب».بذلك المهاد؛ أحاول، تقريب بعض ما تناوله الصوياني حول العقل العربي في حلقات قادمة، نظرًا لجدّية الطّرح وعمقه.