إسماعيل مَصْلُوخ.. والزّمن النَّقي!!
تاريخ النشر: 25 أكتوبر 2016 23:33 KSA
* كان اسمه يتردّد في الدّار كواحد من الأقارب، أو كما يقول المثل المدنيُّ من «عظام الرّقبة»، ولكنَّ الفتى -وهو في سنِّ اليفاعة- لم تؤازره الحظوظ ليتعرّف عليه، أو يلتقي به؛ ولكنّه سمع أباه وهو يجلس في منصّة روشان الدّار المطلِّ على سيل أبي جيدة وهو يرشف شيئًا من أقداح الشّاي، والذي كانت سيّدات الدُّور يحرصن آنذاك على أن تكون تعطيرته من النّعناع الحساوي، أو المغربي أو الدوش، ملائمة لذوق سيّد الدّار. وإن هو لم يجده كذلك ألقى به جانبًا والتفت محدّقًا بنظراته الغاضبة.. لقد سمعه يروي مأثرة أمّ ابن خالته -إسماعيل مصلوخ-، وكيف أنّها هي التي حملت والدته في سنيِّ مرضها، ورأى دمعة تنسكب من عينيه وهو يهتف بصوت ملؤه الشّجن: رحمك الله يا شاهنية.. وتابع الحديث قائلاً: ليت الزّمن يعود إلى الوراء حقبة بعد حقبة حتّى نشكرك على صنيع المعروف.. ومن المعروف ما نستطيع ردّه، ومنه ما لا يرد. ورحم الله قومًا لم يعيشوا ليروا كيف يقابل المعروف بالجحود، والإحسان بالإساءة، إن لم يزد بعضهم فيوغل في الغدر والخيانة، ويتفنّن في ضروب نادرة من الكذب والبهتان.* ومرّت السّنين تباعًا والفتى يتطلّع الى رؤية هذا الإنسان الذي انطبعت صورة ناصعة في الذّهن عنه، وكانت قدماه قد حملتاه إلى حيِّ آخر تفصله مسافة بعيدة عن دارهم في السِّيح، ولم يكن هذا الحيُّ سوى ما كان يعرف بين من أدركوا معالم المدينة القديمة وأزقتها وزنقاتها، باسم «حارة الأغوات»، وكانت الحارة تمثّل هي وباب الجمعة نهاية العمران للناحية الشّرقية من المدينة القديمة، وما بعده هو «الصّيران» وبساتين معروفة باسم الأخوين وأبو الجود، ومرابع مثل «المائدة» حيث يلتقي أبناء الحارة ويمارسون هواية القشاع أو التّحطيب.* في الحارة يسكن الطيّبون من القوم، والقادمون من أقاصي الدّنيا طمعًا في الجوار.. بأبي أنت وأمي يا سيّدي يا رسول الله، عليك صلاة الله وسلامه.* برحة الحارة بعد عصر كلّ يوم تمتلئ بروّادها من المزوّرين أو المرشدين، وترتفع أصواتهم، ولكأنّك تلمس في ضحكاتهم الرِّضا والقناعة بما يملكون، إنّهم يحوزون في دواخلهم على الصّفاء والنّقاء.* وحلَّ العيد؛ وكانت النّاس لا توصد أبواب بيوتها أمام الزّائرين. وكان «العم إسماعيل» قد ارتضى الحارة مسكنًا له؛ فحمله شوقه لرؤية هذا الحاضر في ذهنه والغائب عن المشاهدة. ودخل الفتى الدار فوجد أمامه هذا الرّجل الأنيق في ملبسه، و»المليح» كما يقولون في ملامحه، والرّصين في حديثه.. وبشيء من براءة الطّفولة سأله: هل أنت قريبنا المصلوخ؟ وأردف الفتى: أنا ابن ولد خالتك، أتيت لأصل الرّحم التي بيننا.. وكنت على مدى نصف قرن أو أكثر أتردّد على داره، التي سكنها لاحقًا في الحزام، فكان يقابلني بصحبة ولديه الأخوين أسعد ومحمّد علي، بجميل الترحاب، ويودّعني بصادق الدّعاء. وفي المرة الأخيرة التي قمت بزيارته فيها، هتف بصوت خفيض هو من لوازم شخصيته المحبّبة والأثيرة: إذا ما رحلتُ لا تنسني من سطور زاويتك. واليوم وقد حال وهن الحال عن توديعك في الرّبوة، أُوفِّي يا أبتاه بوعدي معك كما وفَّت يومًا -وقبل عقود طويلة- والدتك صلة الرّحم مع شقيقتها عندما ضنَّ الزّمن بالقريب الذي لا يملّ ولا يضجر، والعزاء أنّك خلّفت الأبناء والبنات الذين أخذوا عنك منقبة صلة الرّحم.