آبار سراة الجنوب
تاريخ النشر: 06 ديسمبر 2016 23:13 KSA
تشير آبار العتيقة في قرى سراة الجنوب، والممتدة جغرافياً من جنوب الطائف الى تخوم بلاد اليمن. قد لا توجد غرابة من هذا الانتشار الكثيف للابار، فأهل السراة قد درجوا ولأزمان سحيقة على امتهان الفلاحة كمصدر رئيسي لحياتهم الكريمة. كانت السراة الى وقت قريب شريان حياة لساكني قرى السراة، فمنها تسقى المزارع، وبها تحدد الأملاك، ومنها تنقل المياه الى المنازل، وفيها يتعلم الصبية السباحة وفنون الغطس ايضاً، فهذه الابار كانت من معالم الديار المهمة، فعن طريقها يتم الارشاد والاستدلال على مسارات القرى المختلفة، كذلك يمكن القول ان ابار السراة كانت رموزاً للتكاتف الاجتماعي والاسري، والسبب الجوهري في هذا الامر يعود الى ان كل بئر تعود ملكيتها الى لأكثر من أسرة ، وكل اسرة من أسر الشركاء لها سقيا يوم معلوم، ولها دور في حماية البئر وصيانتها، ولها دور ايضاً في مساعدة الشركاء الاخرين ومد يد العون لهم في مجمل أعمالهم اليومية.آبار السراة لها خواص مهمة تميزها عن غيرها من الابار، فهي وبحق تعتبر قديمة جداً، وقد يصل عمر لى مئات القرون، ان الذي يؤكد هذه الفرضية هو وجود دلالات مادية تدل على قدمها، فمثلاً، كل بئر من هذه الابار يوجد في مقدمتها، وبالقرب من مصب الماء الخارج منها صخر صلب مستطيل الشكل ناعهم السطح. هذا الصخر وظيفته الأساسية هي ان تمر حبال ترح الماء على سطحه الناعم وذلك أثناء سحب السواني لقرب الماء. مع كثرة تكرار سحب الحبال على الصخر ولأزمنة طويلة، فقد تشكل علسطح الصخر خلجان ناعمة تشبه في شكلها العام طبعة اصاب اليد، وهذا بالطبع ناتج عن نحت الحبال البطيء لوجه الصخر وليس الى عملية نحت يدوي متعمد، كذلك مما يدل على تقادم عهد هذه الابار هو عدم وجود محاولات متأخرة لحفر وتعممثل هذه الابار القديمة فالمتأمل في هذه الابار سيدرك أنها قديمة جداً ولايوجد ما يشابهها من آبار الأزمنة المتأخرة، كما انه سيدرك بداهان معظم هذه الابار قد تم حفرها وتعميرها في نطاق حقبة زمنية واحدة وذلك لكثرة أوجه التشابه فيما بينها.ومن الخواص الجميلة لآبار السراة هي ان لكل بئر اسم تشتهر به به، فالاسلاف القدامى قد درجو على تسمية آبارهم بأسماء تميز كل بئر عن اخواتها الأخريات من الابار، على سبيل المثال لا الحصر، توجد اسماء ابار مشتهرة مثل « بئر السد، بئر الشط، بئر الحاجب، بئر الهلالية...» هذه الاسماء من الصعب تعليلها أو تعريفها للقارئ الكريم لانها اسماء قديمة جداً ولا يوجد توثيق او تعريف مسبق لمدلولاتها. قد تذهب بعض الاجتهادات الى ربط اسماء الابار باسماء المزارع المحيطة بها، فتسمى البئر باسم اشهر بستان قريب منها ، لكن مثل هذه الاجتهادات ليست مطلقة بلا قيود، فمعظم اسماء المزارع مغايراً تماماً لاسماء الابار، والراجح والله تعالى أعلم انها اسماء عفوية الصقها الأقدمون بآبارهم من أجل التعريف بها فقط.الخاصية الاخيرة والمهمة لابار سراة الجنوب هي ان معظم هاتيك الابار قد تم حفرها بالقرب من اقدام الجبال الشاهقة أو على حواف الوديان التي تتخلل مفارق الجبال. ان ما يحير العقول حقاً هو كيفية اختيار موقع البئر يتم حفرها الى ان يصل الحفر الى ابواب المياه التحتية. ان الالية التي استخدمها الاقدمون لاختيار موقع البئر تستوجب منهم ان يكون لديهم علم مسبق بمكامن المياه الجوفية والا كان حفرهم للابار فيه كثير من المجازفة اليت لا جدوى منها ولا منفعة. ومما يحير العقول ثانية هوة، ان هناتيك الابار العتيقة قد تم حفرها في صخر صلب تعجز عن حفره حتى آلات الحفر الحديثة، فما بالك بأدوات حفر بدائية قد لا تتمكن من حفر الصخور الرخوة، لذلك يحق لنا ان - ونحن امام آبار معجزة - عن نوعية الآلية التي اتبعها الاقدمون من اجل التخطيط الحفر آبار بحيث يوافق موقع الحفر مكامن المياه التحتية؟ ونتساءل ايضاً، عن نوعية الآلات التي مكنت الاقدمين من حفر عشرات في صخر صلب؟ بالنسبة لاختيار موقع البئر، فقد يرى البعض ان هناك اشخاص قد منحهم الله تعالى مقدرة خارقة يعرفوا بواسطتها الموقع المناسب لحفر البئر ، الا ان هذه المقدرة الخارقة غير مسلم بها على اطلاقها، خاصة متى عرفنا الصدفة البحتة قد تلعب دوراً مهماً في تعزيز قدراتهم وحدسهم الشخصي. ويرى اخرون ان معالم الارض السطحية قد تكشف عما بداخلها من مياه جوفية، فمثلاً لو ابصرنا قطعة من الارض قد تكاتفت اشجارها وانتشرت فيها الاحراش النباتية، فإن هذا يعتبر مؤشراً جيداصعلى وجود مياه جوفية تحت استار هذه القطعة من الارض، لذلك لو تم حفر بئر في اي مكان من تلك الارض فمن المرجح ان يصل الحفر الى ماء سفلي . هذا المقال يجنح الى رأي تاريخي بعيد كل البعد عن الرأيين السابقينن ومفاده ان الاقدمين قد استعانوا بخبرة طائر .. الهدهد.. في كشف خبأ الماء السفلي والذي قد لا يستدل عليه الناس بمحض ارادتهم ولا بكثرة اجتهاداتهم. هذه الفرضية الغريبة ينقصها بالطبع الدليل المقنع، ولكن يعززها الواقع المشاهد وبعض النصوص التاريخية القديمة. المعروف ان ارض السراة من المناطق المحببة لحياة الهدهد، لذلك فهو متواجد بها وبأعداد كثيرة، كما ان هذا الطائر الانيق يعتبر، ومن أقدم الازمان صديقاً مقرباً من الفلاحين البسطاء، والذين دأبوا دائماً على احترامه والتنزهالشديد عن ايذائه، كما انهم يستأنسون ايما استئناس بمشاهدته وهو على اشجارهم وفي مزارعهم وحتى عل اسطح منازلهم القديمة. بعض النصوص التاريخية القديمة تخبرنا ايضاً، ان للهدهد قابلية عجيبة لطلب الماء والكشف عن وجوده تحت فهو يرى الماء من بعد ويحس به في باطن الارض، فإذا رفرف بجناحيه الجميلين على بقعة من الارض فمعنى ذلك ان تلك البقعة غنية بالمياه الجوفية. يروى عن ابن عباس « رضي الله عنه انه ذكر لاصحابه الهدهد وقال: انه يرى الماء تحت الارض من بعد، ويقول عنه الجاحظ: ان الهدهد هو الذي كان يدل سليمان ( عليه السلام) على موضع الماء في قعر الارض ليأمر بعد ذلك جنوده من الجن ليحفروا له الابار في الاماكن التي ارشد اليها الهدهدلكل ما سبق من معطيات فإن المرجح ان الاقدمين قد توارثوا خبرة الهدهد في كشف مواقع المياه التحتية، وأنهم قد عمدوةا الى مراقبته في مزارعهم ومواطن كلأهم فمتى ما رأوه يرفرف بجناحيه على بقعة من الارض استعانوا بالله تعالى وحفروا في ذلك الموقع بئراً، اما بالنسبة للالات لتي مكنت الاقدمين من حفر ابار عميقة في صخر صلب، فإنه لا يوجد دليل ملموس يدل على نوعية آلاتهم، كما انه لا يوجد توثيق يرصد مهاراتهم في اساليب الحفر البدائية. ان المؤمل من علماء الاثار ان يقوموا باعداد دراسية ميدانية لتقصي تاريخ هذه الابار العتيقة. مثل هكذا دراسة، لن تكشف لنا فقط اعمار هذه الابار ولا الوسائل التي استخدمت في حفرها، ولكنها يستعرفنا بجانب كثيرة عن حياة الاقدمين على اعتبار ان ابارهم كانت مراكز لمناشطه الحياتية اليومية.