تراث المدينة المنوَّرة المخطوط.. كيف خرج؟ ومتى يعود؟! من عارف حكمت والمحمودية بالمدينة المنوَّرة إلى استانبول ودار «بريل» بهولندا (2-2)
تاريخ النشر: 06 ديسمبر 2016 23:13 KSA
كنت قد تحدّثت في الحلقة السابقة عن المخطوطات، التي تسلّلت من بعض مكتبات المدينة المنوّرة، وفي مقدّمتها مكتبة عارف حكمت إلى مكتبات أخرى في العالميين العربي والغربي.. وبالرجوع إلى ترجمة عارف حكمت التي كتبها محمود الألوسي، وحققها الدكتور محمد العيد الخطراوي، فإننا نجد هذه المقولة الهامة: «ويبدو أن عدد المخطوطات في المكتبة حين إنشائها سنة 1270هـ - 1852م وهي السنة، التي أقيل فيها عارف حكمت من مشيخة الإسلام، كان عدد المخطوطات فعلا يتجاوز خمسة آلاف كتاب». وبالرجوع إلى بعض المصادر التاريخية، التي أشارت إلى هذه المكتبة نجد بداية ما كتبه المؤرخ علي موسى في رسالته في وصف المدينة المنوّرة، ويعود تاريخ الرسالة إلى عام 1303هـ - 1885م. يذكر المؤرخ موسى أنها مكتبة نفيسة ويوجد فيها ما لا يوجد في غيرها.. وبتتبع بعض كتب الرحالة التي أولت اهتمامًا بمكتبات المدينة المنوّرة في الحقبة الماضية نجد أن الرحالة محمّد لبيب البتنوني يشير إلى أنّ في المدينة المنوّرة كتبخانات كثيرة أحسنها كتبخانة شيخ الإسلام عارف حكمت، وهي قريبة من باب جبريل إلى جهة القبلة، وفيها كتب ثمينة جدًا لا يقل عددها عن خمسة آلاف وأربعمائة وأربعة كتاب. [الرحلة الحجازية، محمد لبيب البتنوني، الطبعة الثانية، 1329هـ، ص 254، 255]. يذكر الرحالة إلدن روتر Eldon Rutter في كتابه «المدن العربية المقدسة / The Holy Cities Of Arabia» أنّ مجموعة هامة من مخطوطات المدينة المنوّرة تعرّضت للضياع بسبب ما شهدته المدينة المنوّرة من حصارات سياسية/ وكان من آخرها حصار فخري باشا، أو ما عُرف باسم سفر برلك إبّان الحرب العالمية الأولى 1334هـ – 1337هـ. ويشير «روتر» إلى أنّه زار المكتبة، ويبدو أنّ زيارته لها كانت أثناء حصار المدينة المنوّرة قبل العهد السعودي 1344هـ، وأنه طلب من المسؤولين عنها الاطلاع على تفسير الإمام الفخر الرازي للقرآن الكريم. [The Holy Cities Of Arabia, Eldon Rutter, London & New York, G. P. Putnams Sons, Ltd. Voulume11 ].وفي نفس الفترة نجد أنّ الرحّالة محمّد أُسد يشير إلى وصف موقع المكتبة، ثمّ يذكر أنّه دخل «القاعة المقببة وقد صفّت فيها خزائن الكتب المغطاة بالزجاج، ألوف من الكتب المخطوطة بينها مخطوطات من أندر ما عرفته الثقافة الإسلامية، وهي تنبئ بمجد انقضى كما انقضت ريح الأمس.. وإذ أخذت أتطلّع إلى تلك الكتب في غلافاتها الجلدية أخذت بهول الفرق بين مسلمي الأمس ومسلمي اليوم».ونجد أثناء وصفه للمكتبة ودخوله إليها إلى أنّه اجتمع مع المرجعية الدينية المعروفة الشيخ عبدالله بن بلهيد ويصفه أسد بأنّه – أي ابن بلهيد – كان أعظم علماء نجد في تلك الفترة على الإطلاق، وأنه كان من أذكى الرّجال الذين عرفتهم في العالم الإسلامي.. [الطريق إلى الإسلام، محمد أسد، نقله إلى العربية عفيف البعلبكي، دار العلم للملايين، ص:244، 245].ومن مؤرخي المدينة في العصر الحديث نجد أنّ الأستاذ علي حافظ يشير إلى مكتبة عارف حكمت بقوله: «تشتمل المكتبة على 6726 كتابًا منها (2008) كتب مطبوعة، و4718 كتابًا مخطوطًا».يذكر الباحث أبو عاصم الطيب، وقد أخبرني الدكتور والباحث والمحقّق المعروف، الأستاذ الدكتور عبدالله عسيلان، أنّ الاسم الحقيقي للباحث أبو عاصم هو الباحث عبدالفتّاح قاري، شقيق الحافظ لكتاب الله والباحث وفي آثار المدينة المنوّرة الدكتور عبدالعزيز قاري، يذكر هذا الباحث أنّ المخطوطات في مكتبة عارف حكمت داخل الخزائن في رفوف تراها من الزّجاج مصفوفة فوق بعضها مقسّمة وفق العلوم والفنون ممّا تراه جميلًا في ذلك أنّك تلفى كل مخطوطة مجلّدة بجلد قويّ متين في حقيبة جلدية أو من ورق ممتاز يحفظها من عوادي الزّمان ويقيها ألاعيب اللاعبين. وكان الباحث نفسه قد بدأ في إعداد فهرس بمكتبات المدينة المنوّرة، وقد بدأ فهرسه هذا بالمكتبة المحمودية، التي أنشأها العثمانيون ثمّ ضُمّت للأوقاف، وكانت في باب الحرم ما بين باب السلام وباب الرحمة الذي يسمى بخوخة أبوبكر الصديق رضي الله عنه. [نوادر المخطوطات العربية في مكتبات المدينة المنوّرة، أبو عاصم الطيب، مجلة العرب، الجزء الخامس، السنة الثالثة، ذو القعدة 1388هـ – شباط (فبراير) 1969، ص: 390 – 409].ولا يسع المرء إلا أن يعجب كلّ الإعجاب بعمل هذا الباحث الذي ظلّ حبيس المجلّات ولو قدّر له أن يخرج في فهارس عديدة بالمكتبات الهامة في المدينة المنوّرة لكان ذلك أدعى للحفاظ على هذه المخطوطات ورعايتها حقّ الرعاية، وهو ما نؤمّله في الخطوات التي يقوم بها صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان، أمير المدينة المنوّرة، وذلك من خلال إنشاء مجمع للمكتبات الوقفية في المدينة المنوّرة، وفي خطوة تالية إعداد فهارس علمية لتكون بين يدي الباحثين، كما هو الشأن في الفهرس المفصّل الذي قام بإعداده مركز بحوث ودراسات المدينة المنوّرة، وذلك بفهرست المخطوطات النّادرة في الخزانة الهاشمية الخاصة، ويحمد لناظر الوقف السيد هاشم هاني تعاونه مع المركز بإخراج هذه الفهرس. ولعلّي أشير أيضًا إلى ما أخرجته مكتبة بريل بهولندا من فهارس للمخطوطات العربية، وخصوصًا تلك التي حملها أمين بن حسن حلواني المدني، الذي ابتاعت منه مكتبة بريل أثناء حضوره المؤتمر السادس الخاص بالاستشراق وذلك عام 1883م، ومنها هذا الفهرس الذي يحمل بالإنجليزية عنوان «Catalogue Of Arabic Manuscripts, By; J.J Witkam».وقد عني مؤسس دار الفرقان، معالي السيد أحمد زكي يماني بشخصية المستشرق الهولندي Snouk Hurgronje وما تركه من أعمال تكشف عن مدى اهتمام المستشرقين بالتراث العربي والإسلامي، كما أنّه كان على صلة بالشيخ أمين بن حسن حلواني المدني، الذي حظيت مخطوطاته التي حملها من المدينة المنوّرة بكثير من الاهتمام والنّقاش العلميين من قبل الباحثين الغربيين، في الوقت الذي غفلنا فيه عن تراثنا، وبالتالي عدم الإفادة منه في النهوض بالمجتمعات العربية والإسلامية علميًا وفكريًا وحضاريًا.حافظقاريعسيلانالخطراوي يماني