رحلة في ديوان الشافعي
تاريخ النشر: 29 سبتمبر 2010 12:06 KSA
الإمام الشافعي أحد أئمة الفقه الأربعة، وصاحب المذهب الفقهي “مذهب الإمام الشافعي” المسمى باسمه، فهو الإمام محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن عبدالمطلب بن عبد مناف. ولد في غزة سنة مائة وخمسين للهجرة، في نفس العام الذي توفي فيه الإمام أبو حنيفة.
أمه من الأزد، مات أبوه وهو صغير فانتقلت به إلى مكة، فحفظ القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.
وسمع بإمام المدينة المنورة “مالك”، فهاجر إليها، ومع ملازمته لمالك كان يقوم برحلات إلى البلاد الإسلامية.
ومما قاله في الأسفار والرحلات:
سَأَضرِبٌ في طُولٍُِِ الْبِلادِ وَعَرْضِهَا
أَنَالُ مُرَادِي أَوْ أَمُوتُ غَرِيبـــا
فَـإنْ تلِفــَتْ نفســـيْ فللّه دَرُهَا
وَإِنْ سَلمت كانَ الُّرجُّوعُ قرْيبًا
***
تغرَّْبْ عَن الأوطانِْ في طلِب اْلعُلى
وسَافِرْ ففََي الأسفار خمسُ فَوَائدِ
تفـُرجُ هـََّم، واكتسَابُ معيشةٍِ
وَعِلمٌ، وَآدَابُ، َوصحْبةٌ مَاجِـدِ
لما مات “مالك”، اصطحبه والي اليمن من الحجاز ودبر له عملًا في نجران، ورأى مكانة عليُ رضي الله عنه فرمي بالرفض، وفضل أبا بكر رضي الله عنه فرمي أنه ناصبي، ولأن الشافعي يحب أولاد عليُ عليه السلام فأخذ الوالي يكيد له متهمًا إياه بالعلوية مع تسعة غيره، فاستدعاهم الرشيد سنة 184هـ، وقد قتل الرشيد التسعة ونجا الشافعي.
ومما روي عنه في حب آل البيت وأصحابه قوله:
آلً النًْبي ذرَيعتِــــــــــــيِّ وَهَّمُو إليْــهِ وسَيلــــــــتيٍ
أرجٌو بِهم أعَطـــــْى غدًا بيدِي اليـَمِيـنَ صَحْيفتــِي
************
يَا آلَ بيَتُ رسُولَ الله حبــُكم
فَرْضٌ مِنَ الله فِيْ اَلقََرآنِ أنَْزلَهُ
يَكفيكُمُ مْن عَظَيمِ الفَخْرِِ أنكُمُ
مَنْ لم يُصِلِّ علْيكُمْ لا صَلاةَ لهُ
************
إِنْ كَـانَ رَفْـــضًا حـُــبُ آَلَ مُحْـمَـدٍ
فَليشـَـــهًد الثـــَــقلانِ أنيْ رافضِّــي
************
إذا نـَــحْـنُ فضَّلنــا عليّـــــــا فإنِِنــا
رََوافَّضَ بالتفًَّضَيل عِنّد ذوي الجَهْلِ
وفّضَلَ أبيِ بكّـرَ إذا مـَـا ذكرتـــُــه
رميت بنصب عند ذكـــــري للفضِلِ
فلاَ زِلْتُ ذَا رَفْضٍ ونَصْبٍ كِلاهُما
أدين به حتًى أوسًـــد في الرًمــــــلٍِِ
************
قَالوْا تَرفَضَت قلتُ: كــلاَ
مَا لرَفضُ دِينِيْ ولاَ اعتقاَدِي
لــَكًن توليـــــُت غيَر شكٍ
خير إمام وخَـــــيُر هـــــَادي
إن كانَ حبُ الولْي رفضًا
فـإْن رفضـْـي إلــَــى العبـِــادِ
************
إذََا فَــْي مَجْلَِسَ نَذْكُــــرَ عَليًا َ
وسِبْطـَـــــيْهِ وفَاطَمَةَ الزَكْيَـة
يُقَالُ تــَـــجَاوزُوا يَا قَوُمُ هَذَا
فَهَذَا مِنْ حَــــــدَيثَ اَلَراَفَضَية
برئُتُ إلى الُمهيمن مِنَ أنَاسٍ
يَروُنَ الَرفضُ حبُ الفاطَمْيـة
************
وأَنْ أباَ بكـــــرٍ خَليــــفةَ رَبهِ وكَان
أبو حفْصٍَ عَلَى الخَيِر يحَـرَُصُ
وأشُهد رَبَي أنَ عُثِمانَ فاضلٌ
وأنَ علــــيًا فضلــــُـــه متـــــخصصُ
أئِمةُ قــــومٍ يُهْتــــــدَي بهُداهُمُ
لَحَى الله مِــنَ إيَِِِِّـــــــاهــْــم يَتنَقُّـــــصًُ
************
وبعد نجاة الإمام الشافعي من هذه المحنة اتجه إلى بغداد، ثم عاد إلى مكة، والتقى به كبار العلماء في الحج ومنهم “أحمد بن حنبل” وأخذ فقه الشافعي يتبلور، فلم يعد فقه أهل المدينة وحدهم، ولا فقه أهل العراق وحدهم، بل أصبح مزيجًا منهما، لأنه خلاصة عقل أنضجه علم الكتاب والسنة والعربية وأخبار الناس والقياس والرأي.
فَرّق رحمه الله بين التوكل والتواكل في الرزق فقال أجمل الأبيات والتسلسل والربط بين الضيق والصبر والفرج ومما قاله:
وَلاْ تْرَ لِلأَعَادِيْ قَـــــَطٌ ذلاًًّ
فَإِنَ شَمَـــــــــاتَهُ اَلأعدَا بَـلاءٌُ
ولاَ تَرْجُ السَمَاحَةَ مِـنْ بَخَيل
فَما فِي النـــَّـــار للظَمآنُ ماءٌ
وَرِزَقَّكَ لَيْسَ يَنُقصُهُ التَّــأنِيْ
وَليْسَ يَزِيَد فِي الرَزْقَ العنـاءٌ
وَلا حُزنٌُ يَدوُمُ ولاَ ســـُـرورُ
وَلاَ بَؤسُ عَلَيـــــَـكَ ولا رخاءٌ
************
تَمْوتُ الأَسَدُ فِيْ الَغَابَاتِ جُوُعًا
وَلحَمُ الَضَأْنِ َتأْكُلُهُ الكِــــلاَبُ
وَعَبـْـــــدٌ قَــــْـد يَنَامُ علَى حَريَرٍ
وذُوُ نًسَبٍ مَفَارَشُه التُــــرَابُ
************
ولَرُبَّ نَازِلــةٍ يَضيقُ لهَا الْفَتى
ذَرعًا وَعِنْدَ الله مِنْــــهَا المَخرجُ
ضاقَتْ فلماَ استْحكَمَتْ حَلقاتُها
فُرِجَتْ، َوكُنْتُ أظُنُّها لا تفرَجُ
************
صَبرًا جَميلًا ما أقربَ الفَرَجَــا
مَـــنْ رَاقََــــبَ اللهَ الأمُـــورِ نَجـا
مَــنْ صَـــدقَ اللهَ لمِ يَنَـــلْهُ أذى
ومـَن رجَـاهُ يـكونُ حـيـثُ رَجَــا
************
مِحَنُ الزَّمانِِ كثيرةٌ لاَ تَنْقضـِـي
وَسُــــــرورُه يَأتيكَ كَالأعْيــادِ
مَلكَ الأكابر فََاسْتَرقَ رِقـــَـابهََُم
وتـــــَراهُ رِقـــــًًّا في يـدِ الأَوْغادِِ
************
إذا أَصْبحَتُ عِنـْدِي قُــوت يَوْمي
فَخــَــل الــهَمِّ عنََــــي يَا سَعيــدُ
ولا تخطـــر همـوم غد ببـــــالي
فـــإن غـــــدا لــه رزق جديـــدُ
أســـــــلـــــم إن أراد الله أمــــرًا
فاتـرك ما أريد لمـــــــــــا يريد ُ
ومـــا لإرادتــــي وجـــــهُ إذا
ما أراد اللهُ لـــــــي مـــا لا أريـــدُ
************
توكّلتُ في رزقي على الله خالقي
وأيقَنْتُ أن الله لا شــــك رَازقــــــي
ومـَــا يَكُ مِنْ رزْقي فليْس يفوتُنِي
ولوْ كانَ في قاِع البــــــحَارِ الغَوامِقِ
سَيأتي به الله العظيمُ بفَضْلهِ
ولو لم يكُنْ مني اللسـَــــــانُ بنَاطِقِ
ففي أيٍ شـيْء تَذْهبُ النَفسُ حَسْرَةً
وقَدْ قَسّمَ الرّحْمَنُ رزْقَ الخَلائِقِ؟!
************
ألعبـــــــــــــدُ حـــــــرّ إن قَنَـــعْ
والحـُـــــرٌ عبـــــدٌ إنْ طـــــمعْ
فاقنعْ ولا تقنَـــــعْ فــــــــــــــــلا
شــــــيء يشينُ ســـوَى الطـــمعْ
************
إنّ المُلـــــوكَ بَلاءٌ حيثما حَلّوا
فَلا يـَــــــكُنْ لَكَ في أبْوابهمْ ظِـلٌ
مَاذا تُؤمّلُ مِنْ قَوْمٍ إذَا غَضِبُوا
جَارُوا عَليْكَ وَ إنْ أرْضيتَهُمْ مَلّـوا
فاسْتَغْنِ باللهِ عَنْ أبْوَابهمْ كَرَمًا
إنّ الوقُـــــوفَ عَلَــــى أبْوَابهِم ذُلّ
أتى الله الشافعي حظًا من المواهب فقد كان قوي المدارك، وكان فصيح اللسان بليغ البيان قوي الجنان، واضح التعبير بين الإلقاء، فسماه ابن راهويه خطيب العلماء، وكان نافذ البصيرة قوي الفراسة، وكان جريئًا، أدلى بآرائه في جرأة ودون غضب في الجدال.
ومما قاله في حب العلماء والصالحين:
************
فقيهًا وصوفيًا فكن ليس واحدًا
فــــــإني وحــــــق الله إيــــــاك أنصح
فذلك قـــاس، لم يذق قلبه تقى
وهذا جهول، كيف ذو الجهل يصلــح
************
ولـــــولا الشعر بالعلماء يزري
لكنت اليــــــــوم أشعـــــر مــــن لبيد
وأشجــع في الوغى من كل ليث
وآل مهــــــلب وبنــــــي يــــــــزيـــد
ولـــــــولا خشية الرحمــن ربي
حســـــــــبت النــــــاس كلــهم عبيدي
************
إن الفقيــــه هـو الفقيه بفعله
ليس الفقيــــــه بنطقــــــه ومقــــــالـــه
وكــــــــذا الـــــرئيس هـــو بخلقه
ليس الــــــرئيس بقــــومه ورجـــالــه
وكـــــــذا الغنـــي هو الغني بحاله
ليس الغنـــــــي بملــــــكه وبمـــــــاله
************
ومنـــــزلة السفيـــــه مــن الفقيـــه
كمنزلــة الفقيــه مـن السفيــه
فهــــــذا زاهــــــد فـــي قرب هذا
وهـــــــذا فيــــه أزهـــــد منـه فيه
إذا غلب الشقـاء علـى سفيه
تقطــــــع فــــي مخالفــــــــة الفقيــــه
************
تغمدني بنصحك في انفرادي
وجنبني النصيحة في الجماعـه
فإن النصح بين النـــاس نوع
من التوبيخ لا أرضى استماعـه
وإن خالفتني وعصيت قــولي
فلا تجزع إذا لم تعط طــــــاعه
************
تعصي الإله وأنت تظهر
حبه هـــذا محال في القياس بـــديع
لو كان حبك صادقًا لأطـــعته
إن المــحب لمـن يحب مطــيع
تلقى الإمام الشافعي الفقه والحديث على شيوخ من مكة والمدينة واليمن والعراق، فاجتمع للشافعي مزيج فقهي محكم تلاقت فيه كل النزعات في انسجام وتعادل: مدرسة الحديث في المدينة، ومدرسة الرأي في العراق، إضافة إلى مدرسة ثالثة أخذت تعنى بفقه القرآن وتفسيره، وهي مدرسة مكة. وفي رحلاته درس المذاهب سماعًا أو كتابة، فلقد درس مذهب الإمام عمر الأوزاعي إمام بلاد الشام، ومذهب الليث بن سعد الذي روي عنه أنه قال عنه أنه أفقه من مالك، وفقه أهل العراق، ولم يقتصر الشافعي في دراسته على فقهاء الخلفاء، بل درس آراء الشيعة وغيرهم.
ومما قاله في حب وآداب العلم:
************
شَكَوتُ إِلَىَ وَكَيعَ سُوُءَ حِفْظِي
فَــأَرْشَدَنْي إَلى تَـــرِك الَمعَاصِي
وأخبرني بأن العلــــــَم نــــُـورَ
ونــــُـور الله لا يَهـَـــدْيِ لعـَـاصَي
************
حَسْبِي بِعَلمْــــِـي إِنْ نِفَــــع
مـًَـا الَــذُلَّ إِلاَّ فِــِي الَطـمـَع
مـــَـــن رَاقبَ الله رَجَـــع مــا طــَـار طيـــرَ
وارتفـــــَـع إلاَّ كَمـَـــــــا طَـَـــــارَ وَقْع
************
تَعْلمَ فَلَيسَ المَــــــرْء ُيوُلدَ عَالمًا
وَليَّس أَخُوَ عِلَم كَمَـن هُـــَــو جَاهَـلُ
وإن كبير القوم لا عــــــلم عنده
صغيرُ إذا التفتَ عليـهِ الجحــَـــافـلُ
وإن صغير القوم إن كان عالمـًا
كبيرُ إذا ردت إليـــــــهِ المحـــًــافلُ
************
لا يــــُدْرِكُ الحِكْمَة مِنْ عُمْـــــُره
يَكـْـــــدَحُ فِــــــيَ مَصْلـــحةُ الأهلِ
ولا ينـــَــــالُ العلـــم إلا فتــــــى
خال مــــــِنَ الأفكـَــــارِ والشــــغلِ
لو أن لقمـــــــــان الحَكيم الذي
ســــَـارِتْ به الــــرُكْبَان بالفضـــلِ
بلى بفقر وعيــــــِـال لمـــّـــــــــا
فـــــَــرق بين التبــِــــنَ والبَقـــــــلِ
************
بِقدرَ الكَد تَكتْسِبْ المَعـَــــالْي
وَمـَـــــــنْ طَلَبَ العـُــلّا سَهٍرَ الَليالي
ومن رام العلا مِــــنَ غير كد
أضَاعَ العمــــرُ فـــِـي طَلَب المحالِ
تروم العزَّ ثــــــــَّـم تنام ليلًا
يَغُوصَ الَبحْـُــرُ مـِـــــنْ طَلب الآلي
************
كلمـــا أدبنــي الـــدهـــــــــر
أرانــــــــَـي نَقُـــــــص عقــَـــلـيِ
وإذا مـــا ازدْدَتُ علمـــــــــًا
زادنْـــــــــــي علمــــــًا بجهلـــيِ
************
أخي لن تنال العلم إلا بستة
سـأنبيك عن تفصيـلها ببيـــان
ذكاء، وحرص، واجتهاد، وبلغة
وصحبـــة أستاذ، وطــول زمـــان
************
لــــَـنْ يبَلــــــــغُ العَلــَــم جَميعًا أَحد
لاَ ولـَـــــــــوْ حَاوله ألفَ سَنه
إنما العِلـــــــــمَ عميق بحـــــــُــــره
فَخذوا مــــِـنْ كـُـل شيء أحَسنه
************
تصبر علـــى مــر الجفا من معلم
فــــإن رسوب العلم في نفراته
ومن لــــم يذق مـــر التعلم ساعة
تجرع ذل الجهل طـول حياته
ومــــــن فــــاته التعليم وقت شبابه
فكبر عليه أربعــــــًا لوفــــاته
وذات الفتــــى -والله- بالعلــم
والتقى إذا لم يكــــونا لا اعتبار لذاته
ولم جاء دور الشافعي كان هو الوسط الذي التقى فيه أهل الرأي وأهل الحديث معًا، فلم يأخذ بمسلك أهل الحديث في قبولهم لكل الأخبار ما لم يتم دليل على كذبها، ولم يسلك مسلك أهل الرأي في توسيع نطاق الرأي، بل ضبط قواعده، ووضع للقياس ضوابط وموازين، وكان الرأي يشمل القياس والاستحسان والمصالح المرسلة والعرف.
وقد كتب في علم الرجال، ومما قاله في ذلك:
وَمنَ هـَـــــابَ الرجـــــــالَ تهَيبوه
ومـَــــنْ حَقـــر الرِجال فلـنَ يَهابا
ومن قضتْ الرجـــَــــال له حقوقا
ومــَـــنْ يعـصِ الرجِال فما أصَابا
************
أحَبُ مِنْ الإخوانِ كـــُـل مـواتي
وكل غضيضا لطرف عن عثراتيِ
يوافقني في كل أمـــر أريـــــده
ويحفظنـــــي حيــــا وبعــــد مماتيِ
فمنْ لي بهذا؟ ليَت أني أصبته
لقاسمتــــــه مالــَــي مـــن الحسناتِ
تصَفحُت إخواني فكان أقلــــهم
علــى كثرة الإخـــَـوان – أهل ثقاتيِ
************
تمًَّنـى رِجـال أن أمـوُت و إنْ أمـُت
فَتـِــــلكَ سبيلُ لستُ فيهَـــا بأوحـــدٍ
وما موت من قد مات قبلي بضائري
ولا عيش من قد عاشَ بعدي بمخلدٍ
لعـل الـذي يـرجـُو فنِـائي ويـدعــي به
قبـلَ مـوْتي أن يكون هـو الردي
************
إنَّـي صحَبت النَـــاسَ مالهم عـــدُد
وَكنُت أحَـسـب أنِّي قد مَـلأْتُ يــــدي
لمــا بلوت أخــــــلائي وجـــــدتهم
كالدهر في الغـدرِ لم يبقـوا علَى أحـدِ
إن غبت عنهم فشر الناسَ يشْتمنـي
وإن مـرضـت فخـيرُ الناس لم يعــــدِ
وإن رأونيَ بخير ساءهم فرحْـــي
وإن رأوني بشر ســرّهـم نـــــكـــديِ
************
كلُ العَداوة قد ترجـَـــى مودَتــْـها
إلا عــَداوة مِـنَ عــَاداك عـن حَسدٍ
************
وليــَس كثيـرًا ألفَ خـلٍ لواحدِ
وإن عــــدوًا واحــــدا لكثيــــرٌ
************
صَــديق ليس ينفــع يــوم بؤس
قـــَـريب مـــن عدو فــي القياسِ
وما يبقَى الصَديق بكل عصــر
ولا الإخـــُــوان إلا للتـــــــآسيِ
عبرت الدهر ملتَمسـًا بجـُـهدْي
أخـا ثقة فـألهانـــــي التمــــــاسيِ
تنكرتُ البـِــلاَد ومـــِـنْ علَيها
كـــــأن أنـــــاسها ليسـُــــو بنــاسِ
************
إذا المــــــًرْء أفشى ســـِــرِه بلسِـــانُه
ولاًُم عليَــه غيــــِـره فهــو أحمق
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه
فصَدر الذي يستودع الســر أضيقٌ
************
قَنعْت بالقـــــوتَ مــــَـن زماَني
وصُنْت نفســــــي عـــــن الهـوان
خــــــوفًا مــــن الناس أن يقولوا
فضـــَّـــل فــــــِـلان علـــى فـلانِ
مــــــن كنت عــــــــن ماله غنيًا
فـــــَـــلا أبـــَالي إذا جـــِـفاِنــــــيِ
ومـــَــــن رآنــــي بعين نقـــص
رأيتـــــه بالتـــــــي رآنـــــــــِي
ومــــــــــن رآنـــــــْي بعين تــم
رأيته كـــــامــــــــل المعــانيِ
قال فيه أحمد بن حنبل: الشافعي فيلسوف في اللغة واختلاف الناس والمعاني والفقه،
وقال: (يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة رجلًا يقيم لها أمر دينها)، فكان عمر بن عبدالعزيز على رأس المائة الأولى، وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المائة الثانية.
كتب في الأخلاق والمبادئ ومما قال:
************
يٌخــــاطبُني السفيهُ بـكُل قٌبحِ
فأكرهُ أن أكُـــــونَ لَــهٌ مٌجِيبـا
يَزِيدٌ سَفَاهةً فأزِيدُ حِلـــــــماَ
كَعُـــــودِ زادهٌ الإحــراقٌ طِيبًا
************
إذا نـَــطقَ السّفيهُ فـلا تُجِبهُ
فــــخيرٌ مــن إجابته السكـــوُتُ
فإن كّلمتــــهُ فـــرّجْتَ عنهٌ
وإن خَلّيْتَــــــهُ كمـــــدًا يمـــوتُ
************
إنّ للهِ عِبـــــــــادًا فُطَنَـــا
تركُـوا الدّنيا وخافُــوا الفِتنَـــا
نظــــروا فيها فلمّا عَلِمُوا
أَنّـــــها ليّست لحـــي وطنـــا
جعلُــــــوها لجّةَ واتخذوا
صالح الأعمـالَ فيهـا سُفُنــــاَ
************
وعُين الرضا عن كل عيبِ كليلةٌ
ولكن عين السّخطِ تُبدِي المساويا
ولستُ بَهيّابً لمن لا يـَـــــــهَابُني
ولستُ أرى للمــــرء ما لا يرى لِيا
فإن تدنُ مني، تدنُ منــك مودّتي
وإن تنأ عني، تلقنــــي عنـــك نائيًا
كلانا غنيّ عـن أخيـه حيـاتــــــه
ونحـــــنُ إذا مُتنِــــا أشـــدّ تغانِيــا
************
نعِيبُ زَمَـــــــــانَنَا وَالعَيْبُ فِينَا
وَمَـا لِزَمَانِنا عْيبٌ سِــــــوَانَــا
وَنهجُو ذَا الزَّمَــانَ بغـــيرِ ذَنْبٍ
وَلوْ نَطَـــــــقَ الزَّمَـــانُ لَنَا هَجَانا
وَلَيْسَ الذِّئبُ يَأْكُــــلُ لَحْـمَ ذئب
ويأكــــل بعضنا بعضـــًا عيانـــا
************
إذا رمت أن تحيا سليمـــــا من الأذى
ودينـــك موفور وعرضك صين
فلا ينطقن منــك اللسان بسوأة
فكــــلك ســـوءات وللناس ألسن
وعينــك إن أبــدت إليك مــعايبًا فصنها
وقـــــل يا عين للناس أعين
وعاشر بمعروف، وسامح من اعتدى
وفارق ولكــــــن بالتي هي أحسن
قدم الشافعي إلى بغداد ثانية سنة 195هـ بعد أن ضؤل أمر المدينة إثر وفاة “مالك”، ورحل الشافعي إلى مصر عام 199هـ، إلى أن توفاه الله في آخر رجب سنة 204هـ عن عمر بلغ أربعة وخمسين عامًا.
كان رحمه الله عالمًا حكيمًا فقيها ويستنبط كثيرًا من الحِكَمْ والأحكام والقواعد الشرعية من أبياته الجميلة والتي كان يكتبها بسلاسة وسهولة.
ومما قال:
************
أَكْثرً النَاسٌ في النساءِ وقالوا
إن حـــــبًُ النُســــــاء جــهدُ البَلاءِ
ليس حب النساء جهدًا ولـكن
قٌربُ مــــــن لا تٌحـــبُ جهدُ البلاءِ
************
ثلاثٌ هُـّن مُهلِكةُ الأنـــــــام
وداعيـــــــةُ الصّحيح إلـى السّـــقامِ
دوامُ مُـــــدامةٍ ودوامُ وطــءٍ
وإدخــــــالُ الطـــــعامِ علـى الطعامِ
************
عِفّوا تعِفّ نِساؤكُم في المحرمِ
وتجنّـــبوا مـــــــا لا يليقُ بمســلمِ
إنّ الـزنٌا ديـن فـــــإن أقرضته
كــــان الــوفا من أهلِ بيتِك فاعـلمِ
************
يـا هـاتِكا حُـرَمَ الرّجـالِ
وقاطعــًا سُبُلَ المودّةِ عِشتَ غير مُكـرّمِ
لو كُنت حُـّرًًا مـــــن سُلالةِ مَاجدٍ
مـا كنتَ هـاتكًا لِحُرمةِ مسـلِـمِ
مـــــن يَزنِ يُـزنَ به ولـو بجِدارهِ
إن كنت يـاهـــذا لبيبًا فــــافـهمِ
---------------
dr.mahmoud @batterjee.com