في موكب جنائزي حزين ودعنا الراحل الكبير د. فهد بن جابر الحارثي -أنزل الله على قبره شآبيب الرّحمات- ومثل هؤلاء الرّواد الأفذاذ يغادرون بأجسادهم وتبقى أسماؤهم مخلَّدة بأعمالهم، والرّايات تخفق بإرثهم، والناس تشهد بحسن صنيعهم وتتذكّرهم بجميل فعالهم.
نستحضر ذلك والأحزان تلفّنا من بعد الرّاحل الكبير، وألسنتنا لا تكاد تنفك عن الحديث عن مآثره، ونفيس أعماله، وجميل خصاله، وجليل فعاله، وحسن سيرته، وعظم دوره كرائد من رواد النهضة التعليمية الذين شاركوا في حمل مسؤولية مشروع الدولة في نشر التعليم وتوطين المعرفة في بلادنا.
تولّى وأبقى بيننا طِيْب ذِكْره...
كباقي ضياء الشّمس حين تغيب...
لقد عمل الفقيد في بداية التّسعينيات الهجرية من القرن الماضي مديرًا للتّعليم في منطقة الباحة..
منذ البدء وجد القائد الملهم نفسه أمام ظروف مادية واجتماعية وتنموية مرهونة بالتحدي، فقبل التّحدي وقابله بعزم الشباب، وكان حسن التخطيط هاجسه لكسب رهان النجاح، فبدأ بالتجديد في خطط العمل، ووضع البدائل لها لتسهيل إيصال التعليم المجود للمواطنين في مساكنهم، في المدن والقرى، في الجبال والفيافي والوهاد، وحوّل مع نخب التّعليم في منطقته الميدان التّربوي الى ورش عمل تنافسي مستمر، وعزف عن المكوث في المكتب الوثير ليتنقل مع فريقه بين المواطنين في قراهم ومزارعهم ومراعيهم، يفتحون هنا مدرسة، ويعزّزون هناك البرامج والأنشطة في مدرسة أخرى، ويبثون الحماس وحب المعرفة في مجتمع متعطّش أصلا لها.
لقد ساعد الشاب القائد في بداية تحمله لمسؤولية التعليم العظيمة - في منطقة ذات جغرافية صعبة ومواصلات أصعب - قادة مخلصون متحمسون لرسالتهم من رفقاء دربه من رجال التربية والتعليم نذكر منهم: الرّائد الشيخ سعد المليص رحمه الله، الأستاذ أحمد محمد الزهراني رحمه الله، الأستاذ عيد هزّاع رحمه الله، الأستاذ عبدالله صنقور رحمه الله، الأستاذ محمد أبو رأس رحمه الله، الأستاذ ابراهيم عباس رحمه الله، الشيخ عبدالرحمن الدهري، الأستاذ سعد بن سعيد الحارثي، الأستاذ أحمد بن محمد المليص، الأستاذ عبدالله عبدالخالق، الأستاذ عبدالخالق مديْس وغيرهم كثيرون من أبناء المنطقة ومن خارجها، وفِي فترة وجيزة أضحى وهج التعليم ونشاطاته أبرز الفعاليات الجاذبة في المنطقة، وساعده وفريقه في إحداث هذه النقلة المتسارعة شغف الأهالي بالتعليم، وحرصهم على تعليم أبنائهم، وتنافس الميدان التّربوي للتّميز والابداع، وأستمر هذا العطاء المتنامي بعزيمة الرجال حتى عمّ التعليم أرجاء المنطقة. وحظي الرّائد بدعم مفتوح لمسيرة التعليم من أمير منطقة الباحة الأمير الرّاحل الشيخ ابراهيم البراهيم -رحمه الله- الذي قرّب التعليم وأهله وأصبح يسند اليهم الكثير من الأمور التنظيمية لفعاليات ونشاطات المنطقة، ومن أبرزها زيارة الراحل العظيم الملك فهد بن عبدالعزيز -تغمده الله برحمته- التاريخية لمنطقة الباحة في 1398 وهو ولي للعهد.
لقد حظيت إدارة التعليم بمنطقة الباحة في عهد فهد الحارثي -من بين مثيلاتها إدارات التعليم- بالنّصيب الأوفر من المباني والتجهيزات المدرسية ولَم يكن ذلك ليتحقق لولا توفيق الله ثم حماسة القائد، وسلامة المنهج الذي اختطه لتطوير التعليم في هذه المنطقة الغنية بتاريخها المجيد وحاضرها الذي كان يتجاوب مع كل خطوة تنموية تسعى لإحداث التغيير المطلوب لمستقبل أفضل.
لقد سعى الرّاحل إلى تقوية التعاون داخل المؤسسات التربوية من خلال منهج الإدارة الإنسانية التي تقوي العلاقات بين الاتباع، وتحفزهم على الأداء الجيد، وتتلمس حاجاتهم، وتعزّز مواطن القوة عندهم، وتعالج نقاط الضعف ببرامج حادة من التوجيه والتدريب.. وفتح هذا المنهج باب التعاون مع مؤسسات المجتمع الأخرى.
ومما عزز هذه السياسة في نجاح منهجه في الإدارة عدة أمور منها: سياسة الباب المفتوح، الزيارات الميدانية التي كان يقوم بها للمدارس متفقدًا ومشجعًا وموجهًا، قربه من المعلمين وقادة المدارس وأصحاب الحاجة، إشاعته الأمن الوظيفي في المؤسسات التعليمية..
هنيئاً له قد طاب حياً وميتاً....
فما كان محتاجاً لتطييب أكفان...
إن تاريخ الرّائد فهد الحارثي صاحب المحيّا الطلق واليد البيضاء والتاريخ المشرف، والأرومة الكريمة يستحق أن يرصد، وله على المؤسسة التي عشقها وأخلص حق اطلاق اسمه على واحدة من مدارسها وعلى مدينة الباحة التي محضها حبه وإخلاصه إطلاق اسمه على أحد شوارعها، والتاريخ لن يغفل اسم الرائد فهد الحارثي من صفحاته المشرقة.. فسيبقى فهد... صانع مجد.. كاتب تاريخ.. رائد تعليم.. وجيه أمة.