العلمانيون ومحمد عبده

العلمانيون ومحمد عبده

بقدر ما كان احتفاء الصحوة الاسلامية الحديثة عظيمًا وكبيرًا بالآثار الفكرية للأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده كان الموقف المعادى والمضاد الذي اتّخذه العلمانيون والمتغربون من هذه الآثار، ففى ظل السيطرة العلمانية على الإعلام والثقافة ظلت الأعمال الفكرية للأستاذ الإمام غائبة.. ومبعثرة.. ومشوهة إلى حد كبير، ولقد حاول التيار العلمانى الخروج عن منهاج الأستاذ الإمام في الإصلاح بالإسلام حتى لقد رأينا الدكتور طه حسين (1306-1239-1889-1973م) في مرحلة انبهاره بالغرب يزعم أن العقل الشرقي عقل يوناني لم يغير القرآن والإسلام من طابعه اليوناني، كما لم يتغير الانجيل والنصرانية من يونايية العقل الاوروبى، وبنص عبارته فإن العقل الشرقي هو العقل الأوروبى مرده فى التكوين والمقومات إلى عناصر ثلاثة: 1- حضارة اليونان وما فيها من أدب فلسفة وفن. 2- وحضارة الرومان وما فيها من سياسة وفقه. 3- والمسيحية وما فيها من دعوة إلى الخير وحث على الإحسان. ولم يكن القرآن أكثر من دعوة للخير، وحث على الإحسان.. جاء متممًا ومصدقًا لما فى الانجيل، وإذا كان الاسلام قد تقبل الحضارة اليونانية فلم لا يتقبل الحضارة الأوروبية فأين هذا الانقلاب العلمانى فى مرجعية النهضة والإصلاح مما كان يقوله الأستاذ الإمام من “الإصلاح بالإسلام” والذي قال فيه إن سبيل الدين لمريد الإصلاح فى المسلمين سبيل لا مندوحة عنها”، لأن نفوسهم قد اشربت الانقياد إلى الدّين حتى صار طبعًا فيها، فكل من طلب اصلاحها من غير طريق الدين فقد بذر بذرًا غير صالح للتربة التى أودعه فيها، وإن إتيانهم من طرق الأدب والحكمة العارية من صبغة الدين يحوجه إلى إنشاء بناء جديد ليس عنده من مواده شيء لا يسهل عليه أن يحد من أعماله أحد.. وإذا كان الدّين كافلاً بتهذيب الاخلاق وصلاح الأعمال، وحمل النفوس على طلب السعادة من أبوابها، ولأهله من الثقة فيه ما ليس لهم فى غيره، وهو حاضر لديهم والعطاء فى إرجاعهم إليه أخف من إحداث ما لا المام لهم به، فلِمَ العدول عنه إلى غيره؟!. إن الاسلام دين وشرع، فقد وضع حدودًا ورسم حقوقًا، ولا تكتمل الحكمة من تشريع الأحكام إلاّ إذا وجدت قوة لإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام، والاسلام لم يدع ما القيصر لقيصر، بل كان من شأنه أن يحاسب قيصر على ما له، ويأخذ على يده في عمله، فكان الإسلام بذلك كمالاً للشخص، وأُلفةً فى البيت، ونظامًا للمُلك امتازت به الأمم التى دخلت فيه عن سواها ممّن لم يدخل فيه، فكان دين الفطرة والمدرسة الاولى التى يرقى فيها البرابرة على سلم المدينة. بل لقد تجاوز التيار العلماني “الخروج” على هذه المرجعية (الإصلاح بالإسلام) إلى حيث شنوا عليها الهجوم، فكتب الدكتور طه حسين طاعنًا فى محمد عبده فقال لا شك ان الشيخ محمد عبده قد هز العالم الإسلامي بأسره، وأيقظ العقل الشرقى وعلم الشرقيين كيف يحبون حرية الفكر، ولا ريب أيضًا أنه أتاح لكثير من المسلمين أن يتطلعوا بأمل راسخ إلى يوم يتحقق فيه التوفيق بين العلم والدّين وبين التقاليد الشرقية والحضارة الغربية.. ولكن العالم الاسلامى قد أصابه التغير منذ ذلك العهد.. ولم يعد محمد عبده مواكبًا للعصر.. لقد صارت كل أفكاره بشأن الدين والعلم بالية.. ولقد صار المتمسكون بآرائه محافظين، بل ويدرجون أحيانًا بين المتخلّفين، وهكذا انقلبت العلمانية على المشروع الإصلاحي للأستاذ الإمام مشروع الإصلاح بالإسلام.