إذا كان عزيزي القارئ حاتم الطائي، يضرب به المثل في الكرم، والأحنف بن قيس في الحِلْم والورع، وفي الذكاء القاضي إياس.. فهناك عبدالله المدّاني من الباحة في بر الوالدين. ليست مبالغة يا مَنْ تقرأ سطوري الآن، إنها قصّة حقيقية من نبش ذاكرة المدن، سرد عبق في موطن الإنسانية، حكاية ربما تختلف عن حكايات شهرزاد في ألف ليلة وليلة، رواية من رثاء الزير سالم لأخيه كليب، حين بكى عليه سنينًا ثم أقام حربًا ضروسًا للانتقام، من قاتل أخيه، في حرب البسوس من أجل ناقة! هذا ما شاهدته في «سناب» الزميل سامي شريم ولمّا تواصلت معه، هاتفيًا لاستيضاح حقيقة ما سمعته وشاهدته، توقفت دمعة في محجر عيني، وقلتُ في نفسي (هل ما يزال هناك من صور من بر الوالدين في هذا الزمن؟). عبدالله المدّاني، من رجالات محافظة بلجرشي، توفي والده ووالدته، وهو في سن السابعة، طفلاً يتيمًا، انتقل إلى مكة لطلب الرزق بعد ذلك، تعب واجتهد، وفتح الله عليه أبواب الرزق، حيث عُرف بمساعدته كل من طلبه وسأل، لا يردّ أحدًا... حين كبر وحوله أولاده، وشعر بحنان عائلته، قرر أن يشتري أرضًا كبيرة مُقسمة لنصفين وقفًا لأمّه وأبيه يرحمهما الله، وهو الذي لم يراهما، أو حتى يستقي بعض الحنان كبقيّة الأطفال! هنا البِر في أجمل صوره، يقول عبدالله المداني: لا أريد شيئًا من أحد، فقط أريد الدعاء لوالديّ بالرحمة والمغفرة، وكم من بعض آباء وأمهات يعيشون بيننا، وللأسف لا أحد يهتمّ من فقدوا الفرار إلى الجَنّة عن طريق بر الوالدين! هذه المزرعة، سمّاها المدّاني مزرعة الوالدين، وليس هذا فحسب، بل فتح المزرعة لزائري الباحة، يأكلون ويشربون من خيراتها، ثم ينامون دون مقابل. ياالله ياعبدالله كم علّمتنا، أن البِرّ أفعالٌ وقيم لا أقوال. ** وأخيرًا... إذا وصلت لقناعة، أن وجودك لا يقدّم ولا يؤخر فأرحل بهدوء، واترك لهم الساحة يمارسون فيها عبثهم وتصفية حساباتهم، فالكلمة أمانة وعن نفسي نصيحة، غادر وحرفك شامخ الرأس.