كان أبي بالنسبة لي هو كلَّ شيءٍ في الحياة، كان الإنسان الذي علَّمني كلَّ شيءٍ، علَّمني الصَّبرَ، علَّمني الصَّمتَ، علَّمني الحُبَّ، علَّمني الإحسانَ، علَّمني كيف أحملُ نفسي، وكيف أعتمدُ على نفسي، وكيف أصنع من الصَّبر أشجارًا، ومن التعب أوراقَ عملٍ أُعلِّقها على جدران الوقت، لتتحوَّل إلى أوراق عمل وأمل وحياة.
مات أبي ذات يوم، تاركًا خلفه صورته، روحه، سجادة الصَّلاة، بزَّته العسكريَّة، وصوته الذي ما يزال يأتي مع الفجر، مع العصر، مع الشروق والغروب، مع المياه، مع الشَّمس، ويوم مات، مات بعده كلُّ شيءٍ، مات السَّندُ، مات الحلمُ، مات الوقتُ، مات اللقاءُ، مات الماءُ، مات الهواءُ، ماتت أشجارُ بيتِنَا، وماتت أيامُنَا وأهم أحلامِنَا..!!
كان أبي هو انتصاراتي الصَّغيرة، وهو كل دفاعاتي، وكل قناعاتي، وكان هو العُمر الذي يهدي لعمري في كلِّ يومٍ عمرًا آخرَ، كانت الحياة بوجودِهِ حياةً مختلفةً، تصنعُ وتضعُ أحلامِي ورغباتِي كلَّها حيِّز التَّنفيذ، وما توقَّعتُ أنْ يخطفَهُ الموتُ، لكنَّه مات تاركًا خلفه أجمل صورة له، الصورة التي ما تزال مُعلَّقة في سماوات الذِّكريات التي (لا) تموتُ.
مات أبي ليبقى هو الحُب الذي يتجوَّل في دورتي الدمويَّة، وفي نبضِي، وفي حزنِي، وفي نشوتِي.
مات -رحمه الله-، وبموتهِ أضاف إلى حياتي نكهةَ حزنٍ إضافيَّة، وبوفاةِ أبي الذي كان حريصًا على ألَّا أخسرَ درجة في الامتحان، ماتت الأوراقُ، وكلُّ الشهادات التي جمعتها، وكنتُ أرى فيها صورته خلف كل شهادة، وكأنَّها تُبارك لي نجاحاتي، والتي تحوَّلت بفقدِهِ إلى (لا) شيءٍ..!!
(خاتمة الهمزة).. مات أبي قبل حدوث هذه الطَّفرة في عالم التقنية، مات قبل الجوَّال، وقبل الواتس آب، وقبل الفيس بوك، وقبل السناب شات، وقبل تويتر (x)، وقبل أنْ يرى عقوق الأبناء الذين يجرحُونَ آباءهم وأُمهاتِهم من أجل المشاهدات..
رَحمَ اللهُ أَبِي، وكلَّ الآباءِ والأُمَّهاتِ.. وهي خاتمتِي ودُمتُم.