محليات
574 سدًا وأكثر من 8 آلاف بئر تعزز الأمن المائي والاستدامة
تُجسد رحلة تطور قطاع المياه في المملكة العربية السعودية قصة نجاح تاريخية ملهمة، بدأت أُولى خطواتها برؤية ثاقبة منذ عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه-، واستمرت عبر عقود من العمل المؤسسي والمشاريع العملاقة، وصولًا إلى العهد الزاهر بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظهما الله- الذي أضحت فيه المملكة تقود الجهود العالمية في هذا القطاع الحيوي.
وتأتي هذه القصة الممتدة لمسيرة قطاع المياه في المملكة اليوم تزامنًا مع انطلاقة أسبوع المياه السعودي في جدة خلال الفترة من (28 يونيو - 2 يوليو 2026م)، الذي يشكل محطة مهمة لاستعراض التحولات التاريخية في القطاع، ويعكس حجم المنجزات المتراكمة، ويبرز التوجهات المستقبلية نحو تعزيز الأمن المائي واستدامة الموارد حتى عام 2050. وانطلق الاهتمام بقطاع المياه منذ وقت مبكر؛ ففي عام 1932م، بادر الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- باستقطاب نخبة من الخبراء الدوليين والبعثات العالمية لإجراء الدراسات والمسوحات الجيولوجية للتنقيب عن المياه وتحديد التكوينات الجيولوجية المائية. وفي عام 1947م، حُفرت الآبار على امتداد خط 'التابلاين'، وشهد العام ذاته تأسيس 'المديرية العامة للزراعة' التي أخذت على عاتقها استصلاح الأراضي، وتحسين الري، وتوزيع مضخات المياه، وتشييد السدود والقنوات، وتعمير العيون، وحفر الآبار.
ومع تزايد التنمية، تحولت المديرية في عام 1953م إلى وزارة الزراعة والمياه، حيث أُنشئ مكتب للمياه والسدود بالوزارة، وبدأ تشييد أول محطة بشبكة الرصد الهيدرولوجي, وتوالت الخطوات التنظيمية بإصدار قرار في عام 1961م يقضي بإحداث وكالة الوزارة لشؤون المياه. وشهد عام 1965م نقلة نوعية بإنشاء إدارة عامة لتحلية المياه المالحة بوزارة الزراعة والمياه في جدة، وإقامة محطة لتحلية مياه البحر في المنطقة الشرقية وأخرى في جدة، واستعانت الوزارة بشركات استشارية عالمية لإجراء دراسات ومسوحات جيولوجية للمياه الجوفية والسطحية، وتُوجت هذه المرحلة في عام 1968م بتطور آليات الحفر لتبدأ عمليات حفر الآبار العميقة وتنطلق سلسلة مشاريع المياه في أنحاء المملكة. وواصلت المملكة تعزيز قدراتها المائية؛ ففي عام 1969م طُورت شبكة الرصد الهيدرولوجي، تلا ذلك الخطوة الأبرز في عام 1974م بإنشاء المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة، وفي عام 1979م، أنشئت شبكة خطوط نقل المياه المحلاة لتغطية الطلب في المناطق الداخلية للمملكة.
ولتوثيق الثروة المائية، أصدر 'أطلس المياه في المملكة العربية السعودية' عام 1984م، وفي عام 1992م تم تحديث الشبكة الهيدرولوجية وزيادة محطاتها. وانتقالًا إلى الألفية الجديدة، تأسست في عام 2003م شركة الماء والكهرباء (التي أصبحت لاحقًا الشركة السعودية للشراكات المائية)، وأما في عام 2008م، أُسست شركة المياه الوطنية لتقديم خدمات المياه والصرف الصحي وفق أحدث المعايير العالمية، مع الحفاظ على موارد المياه الطبيعية وحماية البيئة. مع انطلاق رؤية المملكة 2030، دخل القطاع مرحلة جديدة من الحوكمة والاستدامة؛ ففي عام 2018م تأسست المؤسسة العامة للري، واعتُمدت 'الإستراتيجية الوطنية للمياه 2030' لتمثل إطارًا مرجعيًا لقطاع المياه، وفي عام 2019م أنشئت شركة نقل وتقنيات المياه.
وشهد عام 2020م صدور أول نظام شامل للمياه؛ لتنظيم شؤون المياه وخدماتها والحقوق المتعلقة بها، والمحافظة عليها وتنميتها بما يضمن استدامة الإمداد لجميع الأغراض. وأعدت وزارة البيئة والمياه والزراعة خطة الإمداد والطلب على المياه للاستخدام الحضري لجميع المناطق حتى عام 2050م، وتم إنشاء 'منظم المياه'.
وفي عام 2021م، اكتمل دمج جميع مناطق قطاع التوزيع تحت مظلة شركة المياه الوطنية، وشهد العام نفسه إنشاء المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه. وتعكس لغة الأرقام في الحاضر حجم الإنجازات الاستثنائية؛ حيث ارتفع عدد السدود في المملكة إلى (574) سدًا، بطاقة استيعابية بلغت (2.6) مليار متر مكعب، فيما ارتفعت سعة الخزن الإستراتيجي إلى (21.8) مليون متر مكعب، ونجحت الجهود في خفض استهلاك المياه بالقطاع الزراعي بأكثر من (8) مليارات متر مكعب سنويًا, وبلغ عدد محطات تحلية مياه البحر (36) محطة، ومحطات المعالجة (160) محطة. ووفق إحصائية عام 2022م، ارتفع عدد آبار مياه الشرب إلى (8,835) بئرًا، وآبار المراقبة إلى (407) آبار، ومحطات الرصد الهيدرولوجي إلى (513) محطة.
وسجل حجم توزيع المياه (11.4) مليون متر مكعب يوميًا، بينما بلغ إجمالي قدرة إنتاج المياه (12.8) مليون متر مكعب يوميًا، ووصل إجمالي أطوال خطوط نقل المياه المحلاة إلى (11,000) كم، وطول شبكات المياه إلى (127,500) كم، لتصل نسبة تغطية السكان بشبكة المياه إلى (88%)، ونسبة تغطية خدمات الصرف الصحي إلى (60%).
وتجاوزت جهود المملكة النطاق المحلي لتتبوأ الريادة الدولية؛ حيث شهد عام 2023م الإعلان عن تأسيس منظمة عالمية للمياه مقرها العاصمة الرياض، وتواصل هذا الدور الريادي في عام 2024م بالإعلان عن المركز الدولي لأبحاث المياه، لترسيخ دور المملكة كمرجعية عالمية في استدامة وابتكار قطاع المياه. وتمضي المملكة بخطى واثقة نحو تحقيق مستهدفاتها الطموحة؛ فبحلول عام 2030م، تستهدف الوصول بتغطية السكان بشبكات المياه إلى نسبة (100%).
وبحلول عام 2050م تسعى المملكة لتحقيق أهداف إستراتيجية كبرى تشمل: تغطية السكان بشبكات الصرف الصحي بنسبة 95%، واستمرارية إمداد المياه على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع (7/24)، وإعادة استخدام أكثر من 70% من المياه المعالجة.
وتتضمن خطة العرض والطلب على المياه للاستخدام الحضري حتى 2050م، توفير ما يقارب (21) مليون متر مكعب / يوم للاستخدام الحضري؛ وذلك من خلال التوسع في زيادة إمدادات المياه المنتجة من محطات التحلية لتغطية حاجة سكان المملكة في (14,253) تجمعًا سكانيًا.