كتاب

السمعـــة

نحنُ لا نغادرُ هذه الدُّنيا ونتركُ خلفنَا أجسادنَا فحسبْ، بل نتركُ صدًى يتردَّدُ في أروقة الزَّمان، صدًى يُعرفُ بـالسُّمعة، وهي تلك الهالة غير المرئيَّة التي تسبقنا إلى المجالس، وتتحدَّث عنَّا حين نغيبُ، وتفتح لنا أبوابًا لم نكن لنطرقها لولا رصيدُنا من الأفعال، إنَّ السمعة ليست مجرَّد انطباع عابر لدى الآخرين، بل هي الميراث الحقيقيُّ الذي نصوغه يومًا بعد يومٍ، لنورِّثه للأجيال التي تحمل أسماءنا، فإمَّا أنْ يكون فخرًا يمهِّد لهم الطريق، أو عبئًا يُضطرُون لترميمه طوال حياتهم.
السُّمعةُ هي العلامةُ المسجَّلةُ لشخصيَّة الفرد، هي الصورةُ الذهنيَّةُ التي تتشكَّل في وعي الآخرين، بناءً على ما يرونه من أفعالٍ، وما يسمعونه من أقوالٍ.. قالَ العربُ قديمًا: السُّمعة أطولُ عمرًا من الشَّخص، وهذا ليس مجرَّد قولٍ شعريٍّ، بل حقيقة اجتماعيَّة؛ فالإنسانُ قد يرحل، لكن تأثيره ومسيرته تظلَّان حاضرتَين في ذاكرة المجتمع، تبدأ السُّمعة كبذرةٍ صغيرةٍ في التعاملات اليوميَّة، في صدق الحديث، في الوفاء بالوعود، في اتِّخاذ المواقف الأخلاقيَّة الصَّعبة، وفي التَّواضع عند النجاح، هي نسيجٌ دقيقٌ يُغزَل خيطًا تلوَ الآخرِ، لكنَّه يمتلكُ قوَّة الفولاذِ، فبناء السُّمعة الحَسَنة يستغرقُ سنواتٍ، لكنَّ فقدانَهَا قد لا يستغرقُ سوى لحظةِ طيشٍ واحدةٍ.

ينصبُّ تركيز معظم النَّاس على توريث الأبناء الأموال، العقارات، أو المهن، ظنًّا منهم أنَّ هذا هو طوق النَّجاة لتأمين مستقبلهم، ومع ذلك، يغفل الكثيرُون عن أنَّ الاسم الطَّيب هو الإرثُ الأكثرُ قيمةً، والأسرعُ أثرًا.
توريث السُّمعة ليس عمليَّة بيولوجيَّة، بل هو انتقال قيميٌّ، فعندما ينشأ الابنُ في بيئة تُقدِّس الأمانة، وتُعلي من شأن الصِّدق، وتُمارس التَّراحم، فإنَّه يرثُ هويَّةً تفتح له الأبواب المؤصدة، من السُّمعة الحَسَنة للأب أو الأُم، وهي تعمل كـضمانةٍ اجتماعيَّةٍ للأبناء، فهي تمنحهم ثقةً مبدئيَّةً من الآخرين، وتجعل المجتمع مستعدًّا لدعمهم؛ لأنَّهم يحملُون إرثًا من السلوك القويم، لذا، فإنَّ الحفاظ على السُّمعة هو في جوهره مسؤوليَّة أخلاقيَّة تجاه الأجيال القادمة.

وبناء السُّمعة وتوريثها يتطلَّب وعيًا مستمرًّا بأنَّنا تحت المجهر، من قِبل أولئك الذين يراقبُون خطواتِنَا، ليتَّخذونَا قدوةً، ولتحقيق ذلك، يجب التَّركيز على ثلاثة محاور، هي: الاتِّساق بين القول والفعل، فالشخصُ الذي يمتلكُ سُمعةً طيِّبةً هو الشخصُ الذي يعيشُ وفق مبادئه، لا وفقَ ما يُملََى عليه، أو المصلحة المؤقَّتة، وكذلك أخلاقيَّات التَّعامل هي رأس المال الاجتماعي، فالسُّمعة تُبنَى في تفاصيل التَّعامل اليوميِّ، كيف تعامل مَن هُم أقل منك قوَّة؟ كيف تدير خلافاتِك؟ كيف تفي بوعودِك عندما لا يراقبُك أحدٌ؟ هذه المواقف هي التي تصنع الإرث الحقيقيَّ، وأخيرًا القدرة على الاعتذار والتَّصحيح، حيث لا يوجد إنسانٌ معصومٌ من الخطأ، لكنَّ السُّمعةَ العَطِرةَ ترتبطُ بالقدرة على الاعتراف بالخطأ وتصحيحه.
السُّمعة هي الجسرُ الذي يربط ماضينا بمستقبلنا، وهي العملةُ الوحيدةُ التي تزدادُ قيمتها كلَّما استُخدمت بحكمةٍ، وذلك عندما نضعُ نصب أعيننا أنَّنا لا نعيشُ لأنفسنا فحسب، بل نبني اسمًا يفتخر به أبناؤنا من بعدنا، فإنَّنا نصبحُ أكثر حذرًا في خياراتنا، وأكثر سموًّا في أخلاقِنَا.
(نعم الآباء، ونعم الأبناء، هذا هو الإرثُ الحقيقيُّ).

أخبار ذات صلة

ثلاثة بيانات... ورسالة واحدة إلى الحوثي والعالم
فرسان... صوت والدي
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت
رسالة إلى أمين جدة
;
الأمن الدوائي.. أولوية وليس خيارًا
الرسالة السعودية للأشقاء في اليمن
كــــــــرة
الشريك الأجنبي.. شوكة في الخاصرة!
;
سلسلة المرأة.. رقم في بورصة الغرب
كَبَد اللاعبين!!
تصاعد موجة (المقالب)!
حين تتحدث الأرقام.. الشؤون الدينية تكتب قصة نجاح وطن
;
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟
تأملات في معنى الصدمة
الجامعات البحثية وصناعة القوة
بيت الوجيه نصيف