كتاب

طريق الأمم إلى الريادة

ليست الثَّرواتُ الطبيعيَّة وحدها هي التي تصنعُ الأمم، وإنَّما تصنعها العقولُ التي تُنتج المعرفة. ومن هنا أصبحت الجامعاتُ البحثيَّةُ أهمَّ استثمار إستراتيجيِّ للدول الحديثة؛ لأنَّها لم تعدْ مؤسَّسات تمنح الشهادات، بل مصانع للأفكار، ومحرِّكات للاقتصاد، ومراكز للابتكار.
عندما تأسَّست جامعة جونز هوبكنز عام 1876، ظهر نموذج جديد للجامعة يقوم على البحث العلميِّ بوصفه الرسالة الأساسيَّة. ومنذ ذلك التاريخ تغيَّرت فلسفة التعليم العالي في الولايات المتحدة، وانتقلت الجامعة من نقل المعرفة إلى إنتاجها، فكانت بداية الصعود العلميِّ والصناعيِّ الأمريكيِّ.

وسرعان ما انتشر هذا النموذج في جامعات مثل هارفارد وMIT وستانفورد، حيث أصبحت المختبرات شريكًا للمصانع، والباحثون شركاء للشركات، وتحوَّلت براءاتُ الاختراع إلى منتجاتٍ غزت الأسواق العالميَّة.
وتُعدُّ جامعة MIT مثالًا بارزًا على الجامعة التي تربط بين العلوم الأساسيَّة، والهندسة، وريادة الأعمال، حتى أصبحت شركات أسَّسها خرِّيجُوها تمثِّل اقتصادًا هائلًا لو كانت دولةً مستقلةً. أمَّا جامعة ستانفورد، فقد أسهمت بصورة مباشرة في نشأة وادي السيليكون، وخرَّجت مؤسِّسي شركات تقنية كُبرى، وأصبحت أحد أهم مراكز أبحاث الذكاء الاصطناعيِّ.

وفي أوروبا تمثِّل جامعة كامبريدج نموذجًا عريقًا جمع بين التاريخ والابتكار، إذ أنشأت بيئةً متكاملةً للشركات التقنيَّة والبحث العلميِّ فيما يُعرف اليوم بـ«Silicon Fen». أمَّا في آسيا، فقد أصبحت جامعةُ تسينغهوا رمزًا لصعود الصين العلميِّ بفضل الاستثمار المكثَّف في البحث. واستقطاب أفضل العلماء، وربط الجامعة بالصناعة.
القاسم المشترك بين هذه الجامعات، هو استقلالها الأكاديمي، والتمويل المستدام، والوقف الجامعي، والشراكات مع القطاع الخاص، واستقطاب أفضل المواهب من مختلف أنحاء العالم، مع تحويل نتائج الأبحاث إلى قيمةٍ اقتصاديَّةٍ واجتماعيَّةٍ.
واليوم تؤكِّد رُؤية المملكة العربيَّة السعوديَّة 2030 أنَّ الاقتصاد المعرفي والابتكار والبحث العلمي هي ركائز المستقبل. ولذلك تعمل المملكةُ على تعزيز منظومة البحث والابتكار، ودعم الجامعات، وتشجيع الشراكات مع الصناعة، ورفع تنافسيَّة الجامعات السعوديَّة عالميًّا.
وتملك المملكة مقوِّمات كبيرة لتحقيق هذا الهدف من خلال جامعاتها الرَّائدة مثل جامعة الملك سعود، وجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وجامعة أم القرى، وغيرها من المؤسَّسات التي يمكن أنْ تصبح مراكز عالميَّة للإبداع إذا توافرت لها البيئة الداعمة والتمويل المستدام.
إنَّ التجارب العالميَّة تثبت أنَّ الجامعة القوية لا تُقَاس بعدد خرِّيجيها فقط، وإنَّما بعدد اكتشافاتها وبراءات اختراعها وشركاتها الناشئة وتأثيرها في الاقتصاد الوطنيِّ. فكلُّ دولار يُستثمر في البحث العلميِّ يعود أضعافًا في صورة ابتكار ونمو وفرص عمل.
لقد تغيرت معايير القوة في القرن الحادي والعشرين، فلم تعد الأمم تتنافس بما تملكه من الموارد وحدها، بل بما تنتجه جامعاتها من معرفة. وإذا كانت الثورة الصناعية قد صنعتها المصانع، فإنَّ الثورة المعرفية تصنعها الجامعات البحثية. ومن هنا تبقى الحقيقة التي أثبتها التاريخ: مَن يملكُ العلمَ... يملكُ العالمَ.

أخبار ذات صلة

حين تحرس الدول طرق الحضارة
هل تغيّرت الثقافة.. أم تبدّلت أدواتها؟!
فَاتخِذُوهُ عَدُوًّا
حتى لا تفقد كلمة «رمز».. قيمتها
;
إلى أبطال مستشفى شرق جدة
مدينة القصب.. حين يكتب الملح حكاية المكان
الحب الأحادي.. وفاء أم مذلة؟
لا تفتح خريطة غيرك
;
السعودية.. تصنع الاستقرار وتحمي المصالح
الرياض.. من اقتصاد النفط إلى اقتصاد العقول
عيـــــــــون
الرياض.. وقواعد الأمن الجديدة
;
أفعال الكلام
مدن صناعية (يدوية)!
برؤية سمو وزير الطاقة.. ريادة سعودية للاقتصاد الأخضر
العلاقات الشخصية.. مساحة للطمأنينة أم ساحة للأذى؟