تحفل منطقة عسير بالكثير من التقاليد والفنون، شأنها شأن كل منطقة من مناطق المملكة، والتي استطاعت أن تجعل من الماضي أثرًا خالدًا حرصت على المحافظة عليه في شكله ومضمونه.

وتحفل منطقة عسير بالكثير من العادات والتقاليد الأصيلة والمتوارثة عن الآباء والأجداد، كما ما زالت تحتفظ بالعديد من الفنون المتوارثة، التي تعبر عن البيئة التي كانوا يعيشونها في الماضي، حيث ترمز العديد من تلك الفنون إلى إظهار القوة، وتمزج بينها وبين مظاهر الفرح، فهي ذات معان وأبعاد قيمة وذات مفاهيم ومدلولات تترجمها حركة الأداء وأقوال الشعراء، ويتناقلها الرواة، وبقدر ما هي تظهر القوة والاستعداد والمكانة، فهي أيضًا تسعد الأصدقاء وترهب الأعداء وتشجع الأبناء على انتهاج مسالك الأقوياء والأوفياء، وتغرس فيهم روح الشجاعة والإقدام بجانب الفرح والمرح، وبها اشارات بالتعريض بمن يضع نفسه دون كل صفة حميدة، أو يتخاذل عند النوائب وعاديات الزمان.



العرضة والمدقال

ومن تلك الفنون الشهيرة التي عرفها أهل الجنوب «العرضة»، وهي رقصة شعبية تشتهر في المملكة بصفة عامة، وفي المنطقة الجنوبية بصفة خاصة، ولكنها تختلف من منطقة إلى أخرى، وتقام في الأفراح مثل الاعياد والزواج.

ويتكون الحفل من طابور طويل دائري المسار، يتكون فيه كل صف من اثنين إلى أربعة، وينقسم الطابور إلى قسمين أول وثان.. وعندما يلقي الشاعر قصيدته يشدو القسم الاول من الطابور بالشطر الثاني للبيت الاول، ثم يشدو القسم الثاني من الطابور بالشطر الثاني للبيت الثاني.. وهكذا يستمر.. وهناك ألحان مختلفة فمنها السريع والخفيف والبطيء الثقيل، ويدق فيها الطبل وغيره من أدوات الموسيقى.

أشهر هذه الفلكلورات الشعبية العرضة «الشهرية» وهي مشهورة على مستوى الجنوب كله.. وهي أيضًا عرضة رجال عسير.. حيث لها طابع ولون وإيقاع مميز كما أن لها ترتيبات جميلة وهي تؤدي في الزواج أو في الختان أو في أي وقت يكون فيه مناسبة سارة للقبيلة، ويمكن أن تضم مراسمها من 60 إلى 300 رجل، يتقدمهم الكبار. وهي تبدأ عادة بـ»المدقال» وهي المسير في طابور شبه عسكري على إيقاع الطبل والزير خطوة خطوة إلى أعلى ثم إلى أسفل على باطن القدم والصدر والرأس مرفوع والبندق محمولة في اليد اليمنى أعلى من مستوى الرأس.

ويستعمل في هذا اللون من البنادق التراثية القديمة «مقاميع» و»فتايل»، وهكذا يدخل عشرة أو عشرون معا، وفي حزام وترتيب ونسق واحد، وعندما يصلون إلى المكان المحدد لهم أمام الجمهور ينتظرون إشارة القدوة، فلكل مجموعة قدوة، ومنه يأخذون إشارة الانطلاق دفعة واحدة.. ثم يعودون بنفس الترتيب وهكذا لمدة حسب تقدير شيخ القبيلة، وبعد ذلك يغيرون المدقال إلى عرضة، وهنا يبدأ دور الشعر والشعراء، وكان ولا يزال شعر العرضة أخطر شيء فيها، حيث كان الشاعر قديمًا هو المتكلم الرسمي باسم القبيلة، وهو المدافع عنها. والقبيلة التي بدون شاعر ضعيفة في نظر البعض.. وكان الشاعر يقفل أبوابًا ويفتح أبوابًا حسب المواقف.. ويشعل حربًا ويخمد حربًا متى أراد.. وكانت منطقة عسير ومازالت منزل الشعر والشعراء والتراث الأدبي المميز.



فنون الخطوة

ويمارس أهالي عسير لونا آخر من «اللعب» أو الفلكلور يعرف بـ «الخطوة»، وهي رقصة شعبية ترقص في سهرات الافراح، ويتكون الراقصون من صفين ويرفع الصف الاول صوتًا من اللحن الطويل ثم يتلوه الآخر، وفيها يتقدمون خطوة إلى الوراء، وفي وسط اللحن تنثني الركبة اليسرى بشكل مفاجئ تتلوها اليمنى ثم ترفع إلى الوسط لتعود ثانية، ويستمر الرقص بالخطى. وفي منطقة عسير نشأ شعراء شعبيون اشتهر منهم كثيرون، ويسميهم الناس «شعبيين» لأن أشعارهم لم تحفظ ولم تدوّن لتقيّم من أي أنواع الشعر هي، فاندرجوا تحت هذا التعريف باختصار، وبالرغم من ذلك كله فقد تناقلت أشعارهم وذكرهم الركبان، وكان يغلب على أشعارهم المدح والذم.. فالمدح لقبائلهم وتمجيد أفعالهم من كرم وشجاعة وغير ذلك، أما الذم لأعدائهم والتحقير من شأنهم.. وكثير ما يظهر في أشعارهم طابع من الشعر الرثائي والحماسي، وغير ذلك من أنواع الشعر العربي القديم. حيث لا فرق بين أشعارهم كشعراء شعبيين وبين من سبقوهم من شعراء العرب القدامى.. ولا غرابه في ذلك، فالبيئة واحدة وظروف الحياة الاجتماعية أيضا كانت متشابهة.