أعادت عمليات «عاصفة الحزم» إلى الأذهان الدور البطولي للقوات المسلحة السعودية منذ تأسيسها على يد الملك الموحد عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه-، كما أعادت إلى الذاكرة العقيدة القتالية لذلك الجيش الباسل والذي تأسس عليها، منذ تسميته بـ»الجيش العربي السعودي»، وهي الذود عن الإسلام والمسلمين والعرب، والدفاع عن أراضيهم، وقد شهدت فصول التاريخ بذلك عبر عقود عديدة، حيث شاركت القوات المسلحة بمختلف أفرعها في الدفاع بجانب القوات الأردنية عن مصر الشقيقة ضد العدوان الثلاثي عام 1376هـ الموافق 1956م، وبقيت مرابطة لمدة عامين حتى زال العدوان الآثم. وشاركت أيضًا في الحد من الخلاف الذي نشب بين الكويت والعراق في عام 1382هـ، وأيضا في قوة الردع العربية لإحلال السلام في لبنان الشقيق عام 1396هـ الموافق 1976م، وشاركت بفعالية في عام 1411هـ في عاصفة الصحراء لتحرير دولة الكويت الشقيقة والذود عن حمى الوطن لتثبت مرة أخرى قوتها وتطورها واستعدادها، كما تشارك حاليًا في قوة درع الجزيرة مع دول مجلس التعاون الخليجي الشقيقة، إضافة الى مشاركتها في عام 1413هـ بكتيبة مظليين في الفصل بين المتنازعين في الحرب الأهلية بالصومال الشقيق وتوزيع الإعاشة للمنكوبين.



بدايات مبكرة

وقد ربط المؤرخون العسكريون بداية نشأة القوات البرية في المملكة بتشكيل الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود (طيب الله ثراه) لجيش قليل العدد والعدة مكونا من ستين رجلاً -يعادل فصيل مشاة بوقتنا الراهن- والتوجه بهم من الكويت نحو الرياض لاستعادتها ليتم له ذلك بأربعين منهم بعد معركة خلدها التاريخ بمداد من ذهب، وذلك صباح يوم السبت الخامس من شهر شوال 1319هـ الموافق 1902م، ثم تم تنظيم هذا الجيش الذي زاد عدده فيما بعد الى فرق محاربين شكلت من جيش الجهاد (رجال الحاضرة) وجيش الإخوان (رجال البادية)، فكان ذلك أول بداية لتكوين الجيش العربي السعودي.



خطوات التأسيس

وبانتهاء مرحلة توحيد أقاليم المملكة شرع الملك عبدالعزيز بإعادة تنظيم الحاميات العسكرية الموجودة سابقًا في الحجاز فصدر تشكيل مفرزة ينبع بتاريخ 23 شوال 1344هـ من قسم مدفعية وقسم رشاش، كما صدر تشكيل حامية جدة بتاريخ 20 ربيع الآخر 1345هـ، وفي عام 1348هـ - 1929م رأى جلالته وجوب مجاراة الجيوش الحديثة في التنظيم والتسليح فأمر بتشكيل أول نواة لوحدات الجيش السعودي النظامي من ثلاثة قطاعات سميت أفواج المشاة والمدفعية والرشاشات - الفوج يعادل كتيبة بوقتنا الراهن تعدادها من 659 الى 962 فردًا - وكان قطاع الرشاش يتكون من أربع سرايا - في السرية حوالى 112 فردًا، وثمان قطع رشاش - بعض أسلحتها من تلك التي غنمها الملك عبدالعزيز -يرحمه الله- من خلال المعارك التي خاضها في كفاحه، وقد أخذت هذه القوة النظامية تنمو تدريجيًا بجانب جيش الجهاد والإخوان إلى أن أسس -يرحمه الله- بالعام نفسه مديرية للأمور العسكرية تعنى بشؤون الجند وتشرف على أمور هذه القوة النظامية وكان مقرها الرئيس بمكة المكرمة تتبع وكالة المالية في ذلك الوقت، حيث كانت أول نواة لتكوين الجيش النظامي، واقتضت الحاجة تشكيل وكالة للدفاع مع استمرار وجود مديرية الأمور العسكرية وذلك في عام 1353هـ الموافق 1934م وجعل مقرها مدينة الطائف، كما عين الشيخ عبدالله بن سليمان أول وكيل لوكالة الدفاع في تشكيلها الجديد بالإضافة الى مهامه كوزير مالية.



تطوير وبناء

رافق تأسيس مديرية للأمور العسكرية ووكالة لدفاع إعادة تشكيل وحدات الجيش الى سلاح المشاة، وسلاح المدفعية، وسلاح الفرسان، وشكلت منها أفواج -كتائب- وألوية زودت بأفضل الأسلحة آنذاك من رشاشات ومدافع وما تحتاجه من وسائل النقل وأجهزة اللاسلكي ووزعت على أنحاء المملكة حسب الحاجة الدفاعية، وأنشئت لها مدرسة عسكرية في مدينة الطائف عام 1353هـ الموافق 1934م للاستفادة منها في تخريج العسكريين وتدريبهم، إلا أنها ألغيت فيما بعد لانتفاء الحاجة إليها وبتوحيد المملكة تعددت المهام العسكرية وتنوعت اختصاصاتها فأعيد في عام 1355هـ، تشكيل المدرسة العسكرية في الطائف التي أصبحت مركزًا للتدريب، وفي عام 1358هـ ألغيت مديرية الأمور العسكرية وشكلت بدلا عنها رئاسة أركان حرب الجيش المرتبطة بوكالة الدفاع، فبدأت هذه الرئاسة بتنظيم الجيش وتوحيد الزي العسكري لمنسوبيه وتحديد الشارات المميزة له، كما تم تشكيل أول فرقة مدرعة سميت الفرقة الأولى المدرعة للجيش وألحقت بالحرس الملكي بالرياض بعد إتمام تدريبها، وشكلت بعد ذلك الفرقة الأولى للخيالة - الفرسان، وشكلت أول فوج مشاة متكامل، وبعد ذلك انتقلت رئاسة هيئة أركان حرب الجيش إلى الرياض تبعًا لوكالة الدفاع ونتيجة للتوسع الهائل في أعمال الدفاع وزيادة متطلباته صدر بتاريخ 5/11/1363هـ مرسوم ملكي يقضي بإنشاء وزارة للدفاع لتحل بدلاً عن وكالة الدفاع، وعين صاحب السمو الملكي الأمير منصور بن عبدالعزيز -يرحمه الله- أول وزير لها، عندئذ بدأ احضار الخبراء للاستفادة من خبراتهم في مجالات التدريب المختلفة، كما تم ابتعاث عدد من منسوبي الجيش العربي السعودي الى البلاد العربية والصديقة للدراسة والتدريب، وأسست أولى المدارس للإشارة واللاسلكي، ومدرسة للصحة والاسعاف، وبهذا اكتمل تأسيس اللبنه الأولى للجيش العربي السعودي والقوات البرية، ثم توالى تطور القوات البرية في عهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز وزير الدفاع والطيران.



القوات الجوية

شاركت القوات الجوية السعودية في الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1367هــ - 1948م، وعندما قام اليهود بإعلان قيام دولة إسرائيل ومهاجمة الدول العربية، تطوع الآلاف من أبناء المملكة للجهاد وتقرر أن يتوجه الجيش السعودي إلى الجبهة المصرية وقامت طائرات سلاح الطيران والخطوط السعودية التي يقودها طيارون مدنيون بنقل الفوج السعودي إلى مصر عندما أحجم الطيارون الأجانب المتعاقدون في الخطوط السعودية عن الطيران خوفًا على أرواحهم، واستمرت القوات الجوية بإيصال المؤن والبريد بانتظام إلى الجيش السعودي في مصر، كما شاركت في دعم مصر خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1375هـ الموافق 1956م وعندما تعرضت مصر للعدوان من قبل القوات الإسرائيلية والفرنسية والبريطانية في أعقاب تأميم قناة السويس، رأت القيادة السعودية أن الضرورة تقتضي تعزيز دفاعاتها وتكثيف قواتها على الحدود الشمالية الغربية للبلاد خصوصًا بعد إعلان المملكة تضامنها مع مصر وإدانتها للعدوان وقيامها باستضافة الطائرات المصرية في الشرق الأقصى للمملكة وتمكينها من النجاة من الغارات الجوية المكثفة التي تعرضت لها الطائرات المصرية، وقامت المملكة بوضع 20 مقاتلة نفاثة من طراز فامبير تحت تصرف القيادة المصرية وقد شارك هذا السرب في الحرب وتنفيذ ما طلبته القيادة المصرية.



حرب عام 1976م

سجلت القوات الجوية السعودية مشاركتها في الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967م، وقامت المملكة بتحريك أسراب طائرات مقاتلة إلى قواعد جوية في المدينة المنورة وتبوك، وأصدر الملك فيصل أوامره إلى ولي العهد -آنذاك- الأمير خالد بن عبدالعزيز بإعلان التعبئة العامة وإلغاء إجازات العسكريين وقامت المملكة بوضع جميع قواتها في الحدود الشمالية تحت تصرف القيادة الأردنية على إثر قيام إسرائيل بمهاجمة الأردن وبعدها مهاجمة مصر وسوريا في صبيحة يوم 27 صفر عام 1387هـ الموافق 5 يونيو 1967م وبعد إعلان انتهاء الحرب قامت القوات الجوية السعودية بإهداء جميع ما تمتلكه من طائرات جديدة من طراز هوكر هنتر إلى سلاح الطيران الأردني لتعويضه عن الخسائر.

وقبل حرب رمضان 1393هـ - أكتوبر1973م، وإنفاذًا لمقررات القمة العربية في الخرطوم التي أعقبت العدوان الإسرائيلي تحددت مشاركة المملكة في دعم الصمود وإزالة آثار العدوان بمساهمة مالية مقدارها 50 مليون دولار سنويًا؛ لتعويض مصر عن خسائرها من جراء إغلاق قناة السويس وكذلك توفير سربين من الطائرات المقاتلة للمشاركة في المواجهة المرتقبة مع العدو الإسرائيلي، وإنفاذًا لذلك استضافت المملكة في قاعدة الملك عبدالعزيز الجوية في الشرق الأقصى أعدادًا من الضباط الطيارين والفنيين المصريين الذين تم تدريبهم على قيادة طائرات لايتنج وتشغيلها وصيانتها عند الحاجة. أما في الحرب العراقية الإيرانية فقد فرضت تطورات الحرب بين العراق وإيران وقوع مسرح مواجهاتها على مقربة من المصادر البترولية السعودية، إذ استمرت القوات الجوية في الشرق الأقصى للمملكة في العمل بأعلى درجات الاستعداد والتنسيق مع القوات البحرية والدفاع الجوي، وكانت قاعدة الملك عبدالعزيز الجوية في الشرق الأقصى تعمل على مدار الــ24 ساعة، وتم استدعاء عدد من القوات من قاعدة الملك خالد الجوية بالمنطقة الجنوبية وقاعدة الملك فهد الجوية بالمنطقة الغربية لتعزيز موجوداتها في القاعدة من طيارين وفنيين.

وخلال حرب الخليج الثانية أدى طيارو السعودية ما يقارب 12,500 طلعة جوية من ضمن 100,000 طلعة جوية طيلة مدة الحرب، كما شنت القوات الجوية الملكية السعودية بضربات كبيرة حيث شاركت في عمليات عسكرية في سوريا ضد تنظيم داعش ولدعم المعارضة السورية المعتدلة، وذلك ضمن تحالف دولي للقضاء على الإرهاب الذي يعتبر داء مميتًا، ودعمًا للشعب السوري الشقيق لاستعادة الأمن والوحدة والتطور لهذا البلد المنكوب.



القوات البحرية

ولم يقتصر تكوين القوات المسلحة على القوات الجوية والبرية باعتبارها الحاسمة، فنظرا لأن المملكة تتمتع بموقع جغرافي مرموق حيث يحدها الخليج العربي من الشرق والبحر الأحمر من الغرب، ونظرًا لطول سواحل المملكة البحرية بدأت المملكة ممثلة في وزارة الدفاع والطيران في إنشاء قوة بحرية مهمتها (الدفاع عن أمن وسلامة أراضي المملكة العربية السعودية ومياهها الإقليمية) لتقوم بحماية الموانئ الرئيسة والمحافظة على أمن وسلامة السفن القادمة إلى المملكة والمغادرة منها، وتطهير الممرات المائية الموصلة إلى موانئ المملكة من الألغام البحرية، وكذلك القيام بدوريات خارج وداخل المياه الإقليمية والبحث والإنقاذ في المياه القريبة من المملكة، وذلك بالتنسيق مع القوات الجوية والقيام برحلات تعارف إلى موانئ الدول الصديقة والأجنبية.

وبدأت القوات البحرية بمدرسة في مدينة الدمام وذلك عام 1377هـ، وفي عام 1380هـ انضمت سفينة جلالة الملك (الرياض) إلى الخدمة في القوات البحرية لتكون أول سفينة تمتلكها القوات البحرية الملكية السعودية، وفي أواخر عام 1381هـ انضمت بعض القطع البحرية الأخرى إلى القوات البحرية، كما تم إيفاد البعثات الدراسية البحرية إلى بعض الدول العربية والإسلامية والصديقة، وبذلك تكونت النواة الأولى في نشأة القوات البحرية الملكية السعودية.

في عام 1395هـ بدأ التنفيذ الفعلي لمشروع التطوير للقوات البحرية الذي يشتمل على بناء المرافق الأساسية، وفي شهر ذي القعدة من عام 1399هـ وصلت إلى المملكة أول دفعة من سفن مشروع التطوير بقيادة أطقم سعودية، ثم توالى بعد ذلك وصول السفن الأخرى تباعًا، حتى أصبحت القوات البحرية من أكبر القوات على مستوى العالم.



الدفاع الجوي

لقد حظي الدفاع عن الوطن بالاهتمام الواجب منذ البداية الأولى لبزوغ فجر الدولة السعودية الحديثة، حيث كانت النواة الأولى فرقة من القوات النظامية، وذلك عام 1384هـ، ثم تتابعت خطط تطوير القوات المسلحة العربية السعودية بأحدث المعدات والأسلحة، وقد كانت بداية نشأة الدفاع الجوي في عام 1375هـ الموافق 1955م ضمن تشكيل سلاح المدفعية، وكان تسليحه آنذاك مدافع خفيفة عيار 30مم ومدافع عيار 40 مم وبعد فترة انضمت للخدمة مدافع ثقيلة 120مم و90مم المضاد للطائرات، وفي عام 1386هـ الموافق 1966م تقرر فصل الدفاع الجوي عن سلاح المدفعية وأصبح سلاحًا مستقلًا بذاته، وذلك بعد ما اتسعت تشكيلاته وزادت مهامه، وفي نفس العام تمت صفقة صواريخ الهوك الأساسي المتوسط المدى، كانت تلك بداية النقلة الكبيرة إلى معدات أكثر تطورًا وتقنية، وفي عام 1403هـ الموافق 1983م تقرر ربط قوات الدفاع الجوي بمعالي رئيس هيئة الأركان العامة مباشرة، وذلك كمرحلة انتقالية لتشكيل القوة، وفي عام 1404هـ الموافق 1984م صدرت الأوامر السامية بأن يكون الدفاع الجوي قوة مستقلة رابعة باسم (قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي) وذلك نتيجة لازدياد مناطق مسؤولياتها وتشعب علاقتها مع أفرع القوات المسلحة الأخرى. وأصبحت قوة الدفاع الجوي من أفضل القوات دوليًا من أجل الذود عن الوطن ومقدراته ومكتسباته.