تعد «سدوس» من أقدم المستوطنات البشرية في منطقة وسط الجزيرة العربية، واحتضنت معالم أثرية مهمة من أبرزها لافتة عليها نقوش وكتابات تعود إلى عصور قديمة تؤكد أهمية البلدة كإحدى أقدم الحواضر في الجزيرة العربية. وتقع سدوس، القريبة من الرياض باتجاه الشمال الغربي، في أعلى وادي وتر، وعلى بعد ثلاثة أميال من جهة الشرق منها تقع حزوى، التي كانت تعرف باسم السدوسية، ووردت في أشعار القدماء، وتمتد البلدة على حوض سدوس، وهو الجزء الأعلى من وادي وتر. وذكر سدوس بعض الرحالة الأجانب الذين تحدثوا عن معلم أثري هام كان موجودًا بها قبل عقود، والمتمثل في البناء المشيد بالحجارة والمنسوب للنبي سليمان بن داود، إضافة إلى معالم أخرى. ولعبت سدوس دورًا بارزًا في العصر الجاهلي وعصر الإسلام، من حيث الموقع، حيث كانت تحتل موقعًا على طريق الحج القديم.

وأنجبت سدود الكثير من الفرسان وقادة الفتوح والعلماء والشعراء على مر العصور، وفي صدر الإسلام استجاب بنو سدوس لنداء الحق وبعد أن ارتد بعض بني حنيفة ومن جاورهم شاركوا في حروب الردة في العام الحادي عشر الهجري، التي حدثت بالقرب منهم. وقد أثرت سنوات الجدب والجفاف والأمراض والحروب والهجرات، خصوصا مع الفتوحات الإسلامية، على عدد السكان فناقصوا وهاجروا بشكل شبه جماعي لتلك المناطق المفتوحة، إلا إنها بقيت سدوس عامرة بالسكان والزراعة.

ويعتبر المؤرخون أن «سدوس» واحة استقرار بشري موغلة في القدم، وعلى الرغم من عدم توفر معلومات كافية عن تاريخ ذلك الاستقرار، فإن ووجود بعض العوامل مثل المياه والزراعة يؤكد هذا الاستقرار، فالمياه، ثم جودة التربة، وقربها من أهم الطرق في وسط الجزيرة العربية، ثم وجود مناطق رعوية وغابات تعتبر جيدة في الشعاب والأودية المحيطة بها، تعد مؤشرات كافية على وجود حياة مستقرة في تلك المنطقة. كما يوجد بمنطقة «سدوس» القصر القديم الذي ينسب بناؤه لسليمان بن داود عليهما السلام، والذي كان موجودًا في حي المنارة في سدوس، وكذلك الكتابات القديمة على حجرين عثرت عليهما جامعة الملك سعود في سدوس في التسعينات من القرن الماضي، ونقلتهما لمتحف الجامعة بالرياض.

وكذلك الكتابات والنقوش القديمة التي عثر عليها الباحث والمؤرخ عبدالمحسن بن محمد بن معمر في السلسلة الجبلية شمال سدوس، وهي أحرف مسند جنوبي يقدر عمرها ما بين 2000 إلى 3000 عام، وتؤكد لنا قدم ذلك الاستقرار، إلا أن أول استقرار ذكرته المصادر التاريخية في المنطقة هو لقبيلة هزان الأولى البائدة، ثم تلاها استقرار قبيلتي طسم وجديس قبل الميلاد، وكان نفوذ طسم يشمل بلادا واسعة منها سدوس، ثم سكن المنطقة بنو سدوس بن شيبان من بني ذهل، وبنو حنيفة، والجميع من بكر بن وائل، وكان استقرارهم فيها قبل الإسلام بقرنين من الزمان تقريبًا.

ونشأت بلدة سدوس على ضفاف أعالي وادي وتر، وقام على مكان سبق الاستقرار البشري عليه، لكنه خلال فترات مجهولة اندثر وكادت تختفي معالمه، غير أنه ما يلبث أن تدب فيه الحياة؛ لكونه موقع استقرار بشري، فكل فترة زمنية ولعدة عوامل وأسباب يعاد تعميره، ويأخذ اسمه القديم أو اسمًا جديدًا. وقد ذكر بعض المؤرخين منازل وديارا وقلاعا وحصونا في القرية، منها القصر القديم، وجوفاء بني سدوس وهي قلعة عظيمة، ولنشأة سدوس وإعادة تعميرها عوامل وأسباب، أهمها توفر المياه والتربة الصالحة للزراعة، والموقع والأمن، وقدرة السكان على استثمار هذه العوامل، بالإضافة إلى عوامل بشرية وطبيعية أخرى.