في عام 1988م، وبينما كنتُ أدرسُ في بريطانيا، كان لي صديقٌ ماليزيٌّ، سألني ذاتَ يومٍ عن مستقبل ابني مُشْرِف، وماذا أُخطط له؟.

تعجبتُ من سؤالهِ؛ لأنَّ (مُشْرِفًا) يومها لم يتجاوز الرابعةَ من عمره!

قلتُ له: بدري!

فقال لي: ابني الآن في السادسة من عمره، وقد خطَّطتُ له؛ ليكون مهندسًا تقنيًّا؛ وبدأتُ أعدُّه لذلكَ منذ الآن؛ لأنَّ رؤية بلادنا 2020 تُركِّز على الجانب التقني.

ما لفتني في حديث الصديق الماليزيّ هو هذا التناغم الفعَّال بين (المجتمع الماليزيّ)، والرؤية الاقتصاديَّة للحكومة الماليزيَّة، تناغمٌ بلغَ حدَّ تأطيرِ الوجهاتِ التربويَّة والعلميَّة والأكاديميَّة للأطفال؛ لتدعم رؤيةَ البلادِ وتستفيد منها في الوقت نفسه.

ومن المؤكَّد أنَّه لا يمكن لرؤية ما أن تنجح إذا لم نتمكَّن من خلق (مجتمعٍ) يُؤمن بها، ويقتنع بأهميِّتها، ومن ثمَّ يبني مشروعاته، وخططه، وبرامجه في ضوئها.

لقد دشَّنتْ بلادنا العزيزة (المملكة العربيَّة السعوديَّة) رؤية 2030، وهي رؤيةٌ تقومُ في جوهرها على الانتقال من (اقتصاد النفط)، إلى (اقتصاد المعرفةِ)، أو الانتقال من استثمار (كنوز الأرض) إلى استثمار (كنوز العقل)، لتحلَّ بذلك الاختراعات والابتكارات محلَّ الاستخراج والتكرير، وهذه النّقلة الهائلة تحتاجُ لنجاحها إلى (مجتمعٍ) يتفهَّمها ويتقبَّلها ويكيِّف توجهاتِهِ وخططه المستقبليَّة معها.

وقد كنَّا قبل أسابيع في ندوةٍ علميَّةٍ تحمل عنوان: (مساهمة البحث العلمي في تحقيق رؤية 2030)، وحفلتْ أوراقُ الندوةِ بعشراتِ الأفكارِ التي يمكنُ لتطبيقها أن يُحوَّل مجتمعنا من (مجتمع النفط) إلى (مجتمع الرؤية).

ولعلَّ ممَّا يساعدُنا على هذا الانتقال المجتمعيِّ أن نستذكرَ أنَّنا أبناءُ أمةٍ علَّمها دينُها كيف تُفكِّر؟ وكيف تتعلَّم؟ وكيف تبتكر؟ فنحو ثلث آيات القرآن الكريم التي يبلغ عددها 6236 آيةً -أي قرابة: 2100- تحثُّ على التفكير والتدبر والنظر. وأحاديث المصطفى صلَّى اللهُ عليه وسلم مليئةٌ بالحثِّ على العلمِ واعتبارِهِ عبادةً وقربةً. وتاريخنا الحضاريُّ ملؤُهُ العلمُ والعلماءُ، وكل منصفٍ من مؤرخي العلوم يشهدُ بأنَّه لولا البصمة الإسلاميَّة في التاريخ الحضاريِّ الإنسانيِّ لما وصلت البشريَّةُ اليوم إلى ما هي عليه.

وقد سجَّل العالمُ الأمريكيُّ البلجيكيُّ الأصل البروفيسور (جورج ستيوارت) المتخصِّص في تاريخ العلوم، والذي حملتْ اسمَهُ جائزة (ستيوارت لتاريخ العلوم)، سجل هذا العالمُ الكبيرُ شهادته المضيئة للحضارة الإسلاميَّةِ ودورها في ترسيخ المناهج التجريبيَّة وتطوير حركة الاختراعاتِ المعرفيَّة.

نحن إذن أبناءُ دينٍ يحثُّ على المعرفة، وأبناءُ حضارةٍ قامتْ على المعرفة، وأبناءُ لغةٍ أحاطتْ بالمعرفةِ، فكيف لا نكون مجتمعًا يتفاعل مع المعرفة؟.

إنَّ رؤية (2030) لن تؤتي أُكلَها حتَّى يتكوَّن مجتمع (2030)، وهو مجتمعٌ مختلفُ السِّماتِ والملامح عن مجتمع (الطفرةِ)، ومجتمع (النفط)، وتحدّينا الأول في مسيرة الرؤية ليس هو وضع الخطط والمبادرات، وإجراء الأبحاث والدراسات -وكل ذلك مهم-، تحدّينا الأول هو أن نكون -كمجتمع، ودولة، ووطن- حاضنًا صالحًا لهذه الرؤية الطموحة.