في رسالة أخوية نعى عزيزنا الأستاذ الدكتور محمد خضر عريف -جزاه الله خيراً-، أستاذ الأجيال الأستاذ الدكتور بكري شيخ أمين..

وشخصيًا فقد عرفت الدكتور بكري في بداية التسعينيات الهجرية من خلال كتابه العلمي والموثق وذي الطابع المنهجي؛ أعني «الحركة الأدبية في المملكة العربية السعودية»، ويعد هذا الكتاب ثاني كتاب يندرج ضمن إطار الدراسات النقدية الجادة عن الأدب السعودي، فقد سبقه في ذلك أستاذ الأجيال الناقد الكبير الأستاذ المربي عبدالله عبدالجبار في كتابه «التيارات الأدبية»، الذي صدر في أواخر السبعينيات، وأوائل الثمانينيات الهجرية.

ثم شاءت الأقدار أن أنتقل من جامعة أم القرى إلى جامعة الملك عبدالعزيز في قسم اللغة العربية، وكان يرأس القسم آنذاك الأستاذ الدكتور عبدالله الغذامي، وللتاريخ فإنه أبدى لي ترحيبًا كبيرًا بانضمامي للقسم، فوجدت عندئذ نفسي أمام الرجل والعالم والأديب والمثقف بكري شيخ أمين، فأنت لا تحتاج إلى زمن طويل حتى تعرفه؛ بل هو يخترق بلطفه ورقته وابتسامته الآخرين ويصنع منهم أحبابًا وأصدقاء. وكانت بعض مؤلفات الدكتور بكري شيخ أمين يرجع إليها طلاب القسم؛ مثل كتاب «الحركة الأدبية في المملكة العربية السعودية»، السابق ذكره آنفًا، وكتابه عن حقبة العصر المملوكي، وكان متوازنًا وموضوعيًا في طرح الأفكار النقدية بكل موضوعية وحيادية، وخصوصًا في ما يندرج تحت شعر التيار الديني الصوفي. وكذلك كتابه عن بلاغة العربية بأجزائه الثلاثة.

أزعم أني لم أرَ الدكتور بكري شيخ أمين يومًا غاضبًا أو متجهمًا أو نائيًا بنفسه عن الآخرين؛ بل هو على النقيض من ذلك كله، فقد كان يشارك في الحياة العلمية داخل الجامعة وخارجها، وفي المنتديات الأدبية، ولقد التقيت به بعد نزوحه إلى بلده حلب مرة أخرى، حيث وجهت له الدعوة من قبل اللجنة العلمية لملتقى العقيق الأول بالمدينة المنورة، وكان العبد الفقير إلى الله عضوًا في تلك اللجنة، التي ضمت كذلك الأستاذ الدكتور عبدالله عسيلان، رئيس النادي الأدبي بالمدينة المنورة، وأستاذنا الصحفي والأديب عبدالفتاح أبومدين، والدكتور محمد الدبيسي الناقد السعودي المعروف، وفي إحدى الجلسات سمعت أستاذنا الدكتور منصور الحازمي يخاطب الدكتور بكري قائلاً له: «اخلع هذا اللباس الذي ترتديه، وألبس لباسنا السعودي، فأنت واحد منا». ولا يمكن لشخصية مثل الدكتور الحازمي أن يدلي بشهادة علمية إلا لمن يستحقها. وعندما سمعت الحازمي يقول ذلك أضفت: لقد تعلمنا من الدكتور بكري شيخ أمين شيئًا كثيرًا، وفقدناه عندما غادرنا في ظروف طارئة تقبلها بسماحته وأخلاقه بكل نفس طيبة.

هناك جانب آخر في حياة الدكتور بكري؛ فلقد كان عرافًا بفن الإنشاد الديني وكثيرًا ما كان يسمعني أناشيد في المدح النبوي من مدينة حلب، والتي لها صلة وثيقة بالمدينة المنورة، حيث نزح عدد من أهالي البلدة الطيبة تحت ضغط وظروف «سفر برلك» إلى بلاد عديدة كانت من بينها حلب الشهباء، ولما وجده أهل المدينة المنورة من ترحاب وكرم من أهالي مدينة حلب، فلقد بقوا فيها ومنهم عائلة السمّان المدني، ويأتي في المقدمة المؤذن المعروف في الحقبة الماضية الشيخ إبراهيم السمّان، وابنه أحمد.

ويمكن القول إن شخصية الدكتور بكري شيخ أمين كانت موسوعية المعرفة، شمولية التفكير، واسعة الاطلاع، استطاعت أن تضع بصمتها المتميزة في حياتنا الثقافية والأدبية والفكرية والاجتماعية أيضًا، بما تركته من إرث مكتوب ومخطوط، لا شك سيمثل علامات مضيئة لكافة الأجيال الدارسة للأدب والمحبة للثقافة.

رحم الله أخانا الحبيب الدكتور بكري شيخ أمين، والعزاء موصول لأسرته وزملائه ومحبيه وتلامذته أينما كانوا.