مررتُ مُؤخَّراً بليدز.. عصفورة الشمال الإنجليزي..

وجدتُ نفسي، وصقيع فبراير يخدش القلب، أمام قاعة من قاعات الذكرى.. كانت لي فيها حكاية مجنونة، حكاية صغيرة، جميلة، مُدهشة، اقترفتني مع حفنة من الأصدقاء، قبل عشرة أعوام.. نعم.. عشرة أعوام وحسب!!

في اجتماع مع ممثلي الأندية الطلابية في العام 2009، استعداداً لتنظيم الحفل السنوي لثقافات العالم وفنونها في الجامعة، اقترحتُ المشاركة بـ»عَرضة» من بلادي، فاقتنصتْ «كي موريسون» -رئيسة اتحاد الطلاب حينها- الفكرةَ، وطلبتني بإصرار أن أشارك، قالت: سنكون الوحيدين من الشرق الأوسط، وطلبت السيوف والجنابي، وملابس الرقص الخاصة.. جعلني حماسها أفكر في الأمر جدياً،

وأفكر في شخص جدير بجنونٍ مثل هذا.. ووجدته سريعاً، كان (معدي) صديقاً لا يقل عني إقداماً، ولا يجاريني غيره في الجنون..!!

عرضت عليه الأمر.. قلت نريدها «عرضة جنوبية» هذه المرة.. ونريد مشاركة الأصدقاء.. ونريد أن نبهر موريسون.. والعالم!! فكاد يطير من الحماس.. لولا أن ثبتّه بحجارة الأسئلة: مَن سيُشاركنا؟، وكيف نوفر الاحتياجات؟، وفين نودي وجوهنا من الناس؟.

قال: لا عليك.. (خليها علي)... بدأ صديقي ترتيب كل شيء، وأكدت حضورنا ومشاركتنا. وفي ليلة التجارب، أرادوا أن نشارك أيضاً في عروض الأزياء، لكن رجالنا غلبهم الكبرياء.

اختار صديقي مقطعاً لمحمد عبده.. من أغنية وطنية.. وكان اختياراً موفقاً لا مثيل له.

مساء الحفل.. ذهبت لمنزل صديقي حيث مكان التجمُّع.. كُنتُ أرتدي الثوب.. وطاقية بيضاء.. ومعطفاً طويلاً أسود، كانت تسير أمامي فتاة حسناء الجوهر والمظهر (نصف كولومبية ونصف إنجليزية).. كنتُ أعرفها، لكنها لم تُميِّزني، وحين وصلت لباب المبنى ورأتني خلفها، كاد قلبها أن يسقط روعاً.. فسحبتُ طاقيتي، وطمأنتها (إني أنا عادل.. وهذا ثوبي، فزال عنها الجزع، وأخذت تراجعني...).

قلت: هذه البداية.. والله يستر.. انتظرنا الأصدقاء.. لكن نصفهم لم يأتِ.. لم يسعفهم الإقدام.. وخانتهم الأقدام!!

أصبحنا أربعة فقط.. والرقص حالة حرب.. يغني فيه قلبٌ صاملْ.. عن «مية راجل».. قلت هذه الثانية: والله يستر!! وحين وصلنا للقاعة.. استقبلتنا موريسون خارجاً لتبشرنا: (القاعة مكتظة جداً جداً.. أكثر من خمسمئة مقعد مُلئت.. والواقفون في الممرات أكثر).. لذلك جعلتْ فقرتنا في منتصف الحفل، بعد مشاركة الفريق الكمبودي: لبث الحماس في القاعة (قالت).. أعتمد عليكم!! نظرنا لأنفسنا، وقلنا: هذه النهاية.. يا رب سترك!!

وقد كانت ليلة لا تُنسَى بالفعل.. جمهورٌ يغلي حماساً وإثارة، تنظيمٌ رائع، وعروض مختلفة وعجيبة من مختلف ثقافات العالم شرقيها وغربيها.. وقد كان حظّنا أننا جِئنا بعد الفرقة الكمبودية تلك، ففقرتهم كانت هادئة وإيحائية.. ثم جاء دورنا.. وطلب مِنَّا الانطلاق.

كنّا في الكواليس ننتظر.. ثم سمعنا صادحاً يصرخ.. عرفناه فسبقتنا قلوبنا إلى المسرح.. كان محمد عبده.. يُنادينا:

السعودي يزرع السهل ويعمر جباله

السعودي سهل كالسهل صعب كالجبال

السعودي له ظلال ولا يقبل ضلاله

ما يقف في ظله الوارف أصحاب الضلال

وما إن ظهرنا على خشبة المسرح، حتى فُوجئنا بالقاعة تهتز تفاعلاً وطرباً، كان الحضور مختلطاً (إنجليز، أوربيون، آسيويون، أفارقة، خليجيون وعرب...).. شحننا هذا التفاعل بالشجاعة.. فانطلقنا نتقافز أمامهم بالعرضة الجنوبية والجمهور يصفق ويرقص معنا بجنون وإثارة.

استغرقت الحكاية أربع دقائق فقط.. خرجنا بعدها بموجة تصفيق وتصفير.. ونشوة عارمة لا يشهدها المرء في حياته كثيراً.. وفي الممرات كانت التهاني والتشجيعات والتعليقات الضاحكة.. وقالت لي منظمة الحفل: إننا نستحق جائزة الأفضل لو كان هناك جائزة، فقلت في نفسي بفخرٍ وغرور: (هذا وقد غاب نصفنا)!!

استمرت أصداء مشاركتنا لأيامٍ بعد ذلك.. خصوصاً حين انتشرت مقاطع الفيديو التي بثّها الحضور على الفيس بوك لرقصتنا من عدة زوايا.. لتكون شاهدة على شجاعتنا.. وجنوننا ربما.. وبعد عشر سنين.. وجدتني أقف أمام القاعة.. وحيداً.. يلفح برد فبراير وجهي.. وتلهب الذكرى قلبي.. كنّا ثمانية أو أكثر.. لكننا أصبحنا أربعة فقط.. رقصنا.. وضحكنا.. وغنينا.. وغنى كل من حضر معنا في جامعة ليدز:

السعودي يشرب أسمى الشيم حتى الثماله

من رجال يعرف أنهم صناديد الرجال!