مازلت أذكر كما يذكر زملاء كثر لي كل المعاناة التي كابدناها خلال دراستنا العليا في الخارج على مدى سنوات، عانينا فيها ما عانينا من صنوف النَّصَب والتعب والجد والاجتهاد والصبر والسهر والمعاناة النفسية والجسدية، إضافة الى صعوبات معيشية لا توصف نظراً لضيق ذات اليد وقلة موارد المبتعث، خصوصاً من كانت معه عائلته في ظل غلاء للأسعار وارتفاع تكاليف السكن والقوت والملبس والمواصلات، فإن أضفنا كل ذلك الى (المجاهدة) -إن جاز التعبير- في تحصيل العلم بلغة أجنبية والمنافسة مع طلاب دارسين معنا بلغتهم الأم، علمنا ولو لحد ما مقدار الجهد والتعب الذي يبذله المبتعثون لتحصيل درجاتهم العلمية من ماجستير ودكتوراه في دراسة المواد والنجاح فيها، ومن ثم اجتياز اختبارات دقيقة جداً وقاسية جداً كالاختبار الشامل او اختبار الكفاية او اختبار الغربلة كما تُسمى في الغرب قبل أن يخوض المبتعث غمار كتابة الرسالة العلمية ويذوق الأمرِّين في الحصول على موافقة المشرف على الإشراف، واختيار موضوع غير مسبوق، وقضاء عام أو عامين أو أكثر في البحث والتنقيب في المصادر والمراجع والدوريات والمواقع، وتطبيق الدراسات الميدانية الإحصائية وغيرها ومن ثم جمع كل ذلك في سِفر واحد يراجع ويُنقَّح ويُصحَّح عشرين مرة قبل أن يجيز المشرف للطالب أن يتقدم للمناقشة، ويعيش الطالب أو الطالبة بعد ذلك أسابيع أو شهوراً كأنها مرحلة (المخاض) وتمر عليهما أيام وليالٍ دون نوم أو راحة، حتى تتم المناقشة، وفي بعض الأحيان لا يجتاز المتقدم المناقشة، ويكون عليه إعادة الكتابة أو إجراء تعديلات جوهرية قد تستغرق عاماً كاملاً أو يزيد. وهذه الصعوبات والعوائق والعقبات ليست قاصرة على من درسوا في الغرب بل إن الدارسين داخل المملكة أو في دول عربية أخرى قد يواجهون صعوبات أكبر و أشد منها، أولاها الحصول على القبول الذي دونه خرط القتاد، فلا يُقبل من عشرات المتقدمين إلَّا من لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة. وبعد القبول يبدأ الطالب في مواجهة العقبة تلو العقبة من تقديم حلقات بحث (سمينارات) واختبارات وتجاوز مواد كثيرة، وتجاوز الاختبارالشامل والبحث عن موضوع وعن مشرف، وقد يستغرق كل ذلك الى الانتهاء من الرسالة مدة تزيد عن المدة التي يقضيها الطالب في الخارج، لذا فكل طلاب الدراسات العليا يعانون كما كانوا في زمننا ومازالوا في هذا الزمان الذي اشتدت فيه المنافسة، وكثرت المسؤوليات الاجتماعية والمالية وقلَّت الفرص كثيراً وشددت إجراءات القبول والتخرج كما يعلم الجميع. وإنْ سلَّمنا بأن طلاب الدراسات العليا يفنون زهرة شبابهم حتى يحصلوا على الدرجات التي يسعون اليها، فلابد من أن نسلِّم كذلك بأن من يرتضون لأنفسهم أن ينالوا لقب (دكتور) عن طريق المعاهد والجامعات الوهمية، مذنبون بحق أنفسهم أولاً وبحق ذممهم ووطنهم ثانياً، وإن تمكن أحدهم من نيل وظيفة أو عمل ما بواحدة من تلك الشهادات (المضروبة) فقد أخذ حق أخيه صاحب الشهادة الحقيقية التي بذل فيها الشيء الكثير من وقته وجهده وشبابه ويصبح بعد ذلك كل مال أو جاه ينالهما صاحب الشهادة الوهمية وبالاً عليه، ويؤاخذ عليهما يوم لا ينفع مال ولا بنون. ومن عجب أن بعض من قرأنا عنهم مؤخراً -إن صحت الروايات- يتبوَّؤون مناصب علمية وشرعية وإدارية رفيعة وكثير منها قيادية، فإن ارتضى هؤلاء على أنفسهم هذه الفرية فما بالنا بعامة الناس؟.

أعتقد جازماً أن التشهير ليس كافياً لمثل هؤلاء، بل المطلوب معاقبتهم بما يستحقون لأن ما فعلوه أشبه بأكل أموال الناس بالباطل، وما فعلوه يعتبرمن أخطر ضروب الفساد إن لم يكن أخطرها ويجدر بهم أن يكونوا على رأس المدانين بالفساد قبل من أدينوا بالفساد المالي، لأن فسادهم مسجل عليهم بشهادة تسمى الماجستير أو الدكتوراه.